التمهيد
يحيي السوريون الذكرى الأولى لسقوط نظام بشار الأسد، الحدث المفصلي الذي بدأ مع دخول قوات المعارضة إلى دمشق في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 وفرار الأسد إلى روسيا، لتتولى قيادة انتقالية جديدة برئاسة أحمد الشرع إدارة البلاد. وبين نشوة الانفراج بعد سقوط منظومة حكم امتدت لأكثر من نصف قرن، ومخاوف واقعية من مستقبل اقتصادي واجتماعي هش، تتشكل ملامح سوريا الجديدة بوصفها مساحة بين الأمل والحذر، ومحاولة بناء تدريجية في بيئة إقليمية ودولية معقدة.
على المستوى الخارجي، تبدو التحولات أكثر وضوحًا. فقد تمكنت القيادة الانتقالية خلال عام واحد من تحقيق اختراق سياسي غير مسبوق مقارنة بسنوات العزلة الطويلة التي فرضها النظام السابق. ويجمع محللون على أن كسر الطوق الدبلوماسي وإعادة سوريا إلى طاولة التفاعل الدولي مثّل خطوة أساسية لإعادة إدماجها في النظام الإقليمي، وفتح الباب أمام استعادة العلاقات مع العواصم العربية والغربية تدريجيًا.
المحور
العلاقة مع إسرائيل: جنوب مضطرب ومعادلات جديدة
تبقى الجبهة الجنوبية أحد أكثر الملفات حساسية. فغياب السلطة المركزية القديمة في دمشق أعاد رسم خريطة القوة على الحدود بين سوريا وإسرائيل، حيث تتداخل مصالح الفصائل المحلية والقوى الإقليمية وسط فراغ أمني نسبي. إسرائيل، التي اعتادت طوال عقود على “استقرار خصمها” في دمشق، تجد نفسها اليوم أمام مشهد أكثر سيولة واحتمالات تصعيد غير محسوبة، خاصة مع تمدد مجموعات محلية غير منضبطة قرب الجولان. وفي المقابل، تحاول القيادة السورية الجديدة تثبيت شرعيتها بخطاب سيادي يعيد قضية الجولان إلى الواجهة، ولو بصورة رمزية في هذه المرحلة. وفي ظل هذه المعادلات، تبدو الخيارات مفتوحة: تفاهمات أمنية غير مباشرة، أو احتكاكات محدودة، أو إعادة صياغة قواعد الاشتباك مع تغير بنية القوة داخل سوريا ومعادلات المنطقة.

الحليف الصحيح: دول الخليج في رؤية سوريا الجديدة
أيقنت القيادة السورية الجديدة منذ اللحظة الأولى أن استعادة الدولة السورية تتطلب العودة إلى عمقها العربي والإسلامي، فتمّت ترتيبات تركيا وقطر لدعم الثورة، واختير الخليج العربي، وتحديدًا السعودية والإمارات، كحليف استراتيجي يعيد للدولة السورية امتدادها السياسي والاقتصادي.
لم يكن اختيار الحليف انفعاليًا، بل جزءًا من رؤية لبناء الدولة عبر تثبيت المحيط وتبادل المصالح، مع ممارسة دبلوماسية هادئة تحافظ على توازن العلاقات الإقليمية وتتفادى تحويل سوريا إلى ساحة صراع إضافية.
التعافي الاقتصادي: بداية مسار طويل
اقتصاديًا، ورثت سوريا واحدة من أكثر الحالات تدهورًا في المنطقة، حيث تسبب النزاع والعقوبات في انكماش تجاوز 85% من الناتج المحلي، وانهيار شبه كامل للعملة المحلية، واستنزاف الاحتياطي النقدي. إلا أن العام الماضي شهد بداية تحول اقتصادي تدريجي، مع بدء رفع العقوبات بشكل مرحلي، وانفتاح على المؤسسات المالية الدولية لوضع سياسات نقدية ومالية أكثر انضباطًا. كما أطلقت الحكومة الجديدة برامج واسعة لجذب الاستثمار عبر حوافز وتسهيلات لقطاع الأعمال، ما أدى إلى تسجيل أكثر من 11 ألف شركة جديدة وفق تقديرات حكومية، بينها العديد من الوكالات والفروع الأجنبية. ورغم أن الطريق ما يزال طويلاً، فإن المؤشرات الأولية تعكس بدايات تعافٍ يمكن البناء عليها إذا تواصل الاستقرار الأمني والمالي.

عودة النازحين: بين الرغبة في الاستقرار وصعوبات الواقع
في ملف اللاجئين، بدأت ملامح حركة عودة تدريجية تظهر بوضوح، مع تحسن نسبي في الوضع الأمني وظهور إدارات محلية جديدة. كثير من السوريين يرون في العودة فرصة لاستعادة حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، رغم التحديات الكبيرة التي ما تزال قائمة، مثل ضعف الخدمات الأساسية وغياب بنى تحتية جاهزة لاستقبال أعداد كبيرة. ومع ذلك، فإن حالة الأمل التي ترافقت مع العام الأول بعد سقوط النظام السابق شكلت دافعًا لعودة الآلاف، باعتبارها خطوة رمزية وعملية نحو استعادة سوريا مكانتها الطبيعية في المنطقة.

زيارة الشرع للمسجد الأموي: رمزية استعادة الدولة
في ختام هذا العام المفصلي، جاءت زيارة رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع للمسجد الأموي اليوم لتضيف بعدًا رمزيًا عميقًا للمشهد السوري الجديد. فالمسجد الذي لطالما شكّل قلب دمشق الروحي والتاريخي، تحوّل في هذه اللحظة إلى منصة لإعلان بداية عهد مختلف، تُستعاد فيه الدولة من داخل رموزها الكبرى. ظهور الشرع بين المصلين، بلا حواجز أمنية خانقة أو مظاهر الهيبة القسرية التي ميزت الحقبة السابقة، عُدّ رسالة مباشرة بأن سوريا تتجه نحو إعادة بناء شرعيتها من الناس لا فوقهم.
خاتمة
وهكذا تختتم البلاد عامها الأول بعد السقوط بأكبر قدر من الرمزية: دولة تحاول النهوض، وقيادة تبحث عن الثقة، وشعب يستعيد بالتدريج شعوره بملكية المكان والمستقبل.
This post has already been read 172 times!

