من حق أي كاتب أن يُدقق، وأن يقيم، وأن يطرح التساؤلات الموضوعية، لكن ما يفعله الكاتب أحمد الصراف تجاه العمل الخيري الكويتي منذ عقود لم يعد في دائرة النقد الجاد، بل في دائرة التكرار الأعمى: نفس اللغة، ونفس التعميم، ونفس التحريض، ونفس القفز فوق الحقائق المؤسسية والقانونية التي لا تحتمل التأويل، يضاف لها قذائف من الاتهامات بلا دليل أو برهان!
في مقال للكاتب أحمد الصراف بعنوان “الاستنزاف الخطير والمشبوه”، نشر في جريدة القبس بتاريخ 1 فبراير 2026، وجه الصراف اتهام خطير للعاملين في العمل الخيري الكويتي بالقول “ما لا يعرفه الكثيرون، وخاصة المتبرعين لمشاريع خيرية أن أكثر من ثلث تبرعهم يذهب لجيوب القائمين على إدارة هذه الجمعيات، هذا على افتراض أن الـ 70% الباقية ستصرف بحكمة وأمانة على المشروع الخيري”، والحقيقة التي يغيبها الكاتب الصراف أن النسبة التي تذهب للمصاريف الإدارية لا تتعدى 12,5 % من مبالغ المتبرعين وحتما ليس الثلث الذي يذكره الصراف وتجنى به على الجمعيات الخيرية، وهي نسبة تخضع أيضاً للرقابة من مدقق الحسابات القانوني للجمعية الخيرية ولرقابة الجهات الرسمية بالدولة، بل نجد أن في المملكة العربية السعودية وضع مؤشر رسمي للسلامة المالية للعمل الخيري جاء فيه أن تمنح الجمعية الدرجة الكاملة للسلامة المالية إذا لم تتعدى المصاريف المالية 15% المقطوعة من التبرعات، وفي حالة الكويت تعد النسبة المستقطعة أقل من ذلك وأكثر حذراً، ومن إطار آخر وفي محاولة يائسة لقلب الحقائق الموثقة والمنشورة للعامة، يذكر الكاتب الصراف في مقال له آخر بشأن الهيئة الخيرية العالمية بعنوان “الهيئة الخيرية وكعب أخيل” نشر بتاريخ 3 فبراير 2026، “بمراجعة موقع الهيئة للاطلاع عن «كثب» على أنشطتها وجدت أنها تعاقدت مؤخراً على صيانة 4 آبار مياه في السودان، وتدريب 9 نساء سودانيات على مهارات مختلفة (!!!)، علما بأن لدى الهيئة ودائع بعشرات ملايين الدولارات، وتقوم بإدارة استثمارات وشركات، وحتى مدارس فمتى نرى نسف القواعد الهشة التي تقوم عليها؟!”، ورداً على ما ذكره الكاتب الصراف، أدعو القراء الكرام لفتح الموقع الإلكتروني للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية لكشف خطأ الكاتب الصراف وعدم صحة ادعاءاته، ولتأكيد مدى الجهد الخيري الجبار الذي تقوم به الهيئة الخيرية في المجال الخيري والإنساني، فمثلاً في الموقع (رزنامة أعمال الهيئة في عام 2025)، وفي ذات الموقع أيضاً اختيار جريدة الوسط للهيئة الخيرية الإسلامية شخصية العام 2025، وما تضمنه التقرير من أدوار وأنشطة ومشاريع، فهل ما سبق وغيره من أدوار منشورة وموثقة للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية يمكن أن يحجبه الكاتب الصراف بعبارات بعيدة كل البعد عن الحقيقة والواقع والموضوعية!.
الواقع الرسمي في الكويت يقول شيئاً آخر خلاف ما يسطره الكاتب الصراف من مغالطات: فالعمل الخيري الكويتي لديه منظومة رقابية متصاعدة، تدقيق مالي، حوكمة إجرائية، وربط إلكتروني، ووزارة الشؤون أعلنت بوضوح اعتماد مؤشرات رقابية مالية وإدارية وإشرافية ومتابعة للمشاريع الخارجية، مع تدقيق الميزانيات والتقارير التفصيلية ونشرها وتعزيز الشفافية، كما أن مسار التنظيم اتجه إلى مزيد من الضبط عبر الموافقات المسبقة على الصرف والأنظمة الآلية، وليس إلى الفوضى التي يحاول الكاتب الصراف تصويرها.
كررنا مراراً وفي مناسبات عدة، أن من لديه براهين أو بيانات أو أدلة على وجود فساد في برامج وأدوار العمل الخيري الكويتي فليتقدم للسلطات القانونية والقضائية بتلك الأدلة والبراهين إن وجدت، وهي دعوة أكررها من جديد للكاتب الصراف بأن يقوم بذلك هذا في حال أن لديه فعلا أدلة وبراهين فعلية وجادة وليست أقوال مرسلة وخيالات لا أساس لها من الواقع.
لا يستقيم عقلاً أن يلغى تاريخ مؤسسي كامل للعمل الخيري الكويتي، وتمحى كل أدوات الحوكمة، لمجرد أن كاتباً قرر أن يظل أسير أوهام خاطئة تعشعش في خيالاته منذ عقود، والخلل المنهجي الفاضح أن يقوم الكاتب بتضخيم أي مخالفة فردية – وهي واردة في كل قطاعات الدولة (وزارات دولة، جمعيات نفع عام – جمعيات تعاونية ..الخ) – ثم تحويلها إلى حكم إعدام شامل على قطاع كامل، وهذا تعميم غير موضوعي يفتقر إلى العدالة والإنصاف، بل يقتضي الأمر التفكير الجاد في البعض منها التوجه نحو المساءلة القانونية أمام القضاء، والخطاب الذي يتبناه الكاتب الصراف خطاب يستحق التساؤل الأهم في هذا المقال والمتمحور بشأن من وما وراء هذا الهجوم على العمل الخيري الكويتي؟، فالخطاب تحريضي إقصائي بالدرجة الأولى ومخالف للحقائق الدامغة، وهو خطاب لا يبني دولة ولا يصحّح مؤسسات، بل يهدم الثقة العامة بالعمل المؤسسي المدني التطوعي، ويعاقب المجتمع على فضيلة العطاء.
على الهامش، استمرار الكاتب الصراف في اجترار نفس الحجج الواهنة، وإلصاق كل نقص بالمحيط الإسلامي يتقاطع مع نمط لبعض العلمانيين العرب المغالين، يرفعون الغرب إلى مرتبة “المرجعية المعصومة” ويتعامون عن أزماته الأخلاقية الصارخة، وحين تتكشف فضائح وجرائم الغرب تباعاً كما يحدث الآن في الجزيرة الملعونة وفضائح جيفري إبستين يصمت هؤلاء أو يهمسون، أما إذا تعلق الأمر بمحيطهم الإسلامي والعربي، ارتفعت أصواتهم فجأة بحدّة، نحن أمام حالة مستعصية من فقدان البوصلة!.
د. محمد حسين الدلال
This post has already been read 336 times!

