تشهد إيران موجة احتجاجات تُعد الأوسع منذ أحداث سبتمبر/أيلول 2022، ليس فقط من حيث عدد المشاركين، بل من حيث الانتشار الجغرافي والقطاعي. فامتداد الاحتجاجات إلى 285 منطقة في 92 مدينة داخل 27 محافظة، ووصولها إلى 22 جامعة، يعكس حالة غضب عابر للطبقات والأقاليم.
ويكتسب انخراط البازار “التجار” – خصوصًا في طهران – دلالة سياسية واقتصادية عميقة، نظرًا لدوره التاريخي كرافعة ضغط على السلطة، ما يشير إلى تآكل أحد مرتكزات التوازن الاجتماعي للنظام.
ازدواجية الخطاب داخل السلطة
تكشف التطورات الأخيرة عن انقسام واضح في خطاب الدولة، فالمؤسسة العسكرية، ممثلة في قائد الجيش أمير حاتمي، تتبنى خطابًا تصعيديًا يربط الاحتجاجات بتهديد خارجي مباشر، ويُلوّح برد أشد من حرب الـ12 يومًا مع إسرائيل، في محاولة لإعادة تعريف الأزمة باعتبارها أمنًا قوميًّا لا احتجاجًا اجتماعيًّا.
في المقابل، يقدّم الرئيس مسعود بزشكيان خطابًا أكثر مرونة، داعيًا إلى التمييز بين المتظاهرين السلميين و”مثيري الشغب”، في مسعى لاحتواء الغضب الشعبي ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
هذا التباين يعكس غياب رؤية موحدة داخل بنية الحكم حول كيفية إدارة الأزمة، ويؤشر إلى صراع ضمني بين المقاربة الأمنية الصلبة ومقاربة التهدئة السياسية.

تدويل الاحتجاجات وخطاب التدخل
أسهمت التصريحات الأميركية والإسرائيلية في نقل الاحتجاجات من إطارها الداخلي إلى ساحة الصراع الإقليمي والدولي. فتهديد الرئيس الأميركي بالتدخل العسكري في حال سقوط قتلى، ودعم نتنياهو العلني للمتظاهرين، قدّم للنظام الإيراني مادة جاهزة لتعزيز سردية “المؤامرة الخارجية”.
وفي المقابل، فإن هذا التدويل – رغم رمزيته – قد يُضعف الحراك داخليًا عبر منحه طابعًا استقطابيًا، ويمنح الأجهزة الأمنية شرعية أوسع للتشدد.
بهلوي ومحاولة قيادة الشارع
يمثل دخول رضا بهلوي على خط الاحتجاجات نقطة تحول رمزية، إذ انتقل من موقع المعلّق إلى موقع الداعي للفعل الميداني المنسق. ورغم أن خطابه حول “السقوط الوشيك للنظام” يعكس ثقة عالية، فإن غياب بنية تنظيمية داخلية قادرة على ترجمة هذا الزخم إلى مسار سياسي واضح، يحدّ من فاعلية هذا الطرح.
غير أن رسالته الموجهة إلى الأجهزة الأمنية تكشف سعيًا واضحًا لإحداث شرخ داخل مؤسسات القوة، وهو عامل بالغ الحساسية في السياق الإيراني.

السيناريوهات المحتملة
الاحتواء الأمني مع كلفة سياسية: السيطرة على الشارع دون إنهاء أسباب الغضب.
التهدئة المشروطة: عبر تنازلات محدودة وخطاب إصلاحي دون تغيير بنيوي.
التصعيد المركّب: في حال اتساع الإضرابات وتزايد الانشقاقات داخل النخبة.
الاستنزاف طويل الأمد: احتجاجات متقطعة تُبقي النظام تحت ضغط دائم.
التداعيات على المحيط الخليجي
تمثل الأوضاع المتفجرة داخل إيران عامل تهديد يتجاوز حدود الدولة إلى الإقليم بأكمله، إذ إن أي زعزعة للاستقرار الإيراني لن تبقى حبيسة الداخل، بل ستنعكس اضطرابًا أمنيًا ممتدًا في المحيط الخليجي. فاستمرار الاحتجاجات أو تحولها إلى صدامات واسعة، يفرض تحديات سياسية وأمنية واقتصادية على دول الجوار. كما أن اهتزاز الاستقرار الداخلي في إيران قد يدفع النظام إلى توسيع هامش التصعيد الخارجي، أو إعادة توظيف أوراق النفوذ الإقليمي، ما يضاعف من مخاطر التوتر وعدم اليقين في الخليج. وعليه، فإن المشهد الإيراني لم يعد شأنًا داخليًا محضًا، بل أصبح متغيرًا ضاغطًا في معادلات الأمن والاستقرار الإقليميين.

الخاتمة
تعكس الاحتجاجات الراهنة أزمة ثقة عميقة بين الدولة والمجتمع في إيران، وتتغذى على تلاقي الضغوط الداخلية مع التدخلات الخارجية. وبينما لا يبدو أن النظام على وشك السقوط الفوري، فإن المؤكد أن معادلة الحكم لم تعد مستقرة كما كانت، وأن كل موجة احتجاج جديدة تُضعف القدرة على العودة إلى ما قبلها.
This post has already been read 278 times!

