في ظل ما يمر به النظام الدولي من تحولات ومتغيرات ليست من خلال موازين القوة التقليدية، وإنما عبر موازين المعنى أيضاً. فالدول اليوم لا تُقاس مكانتها بحجم اقتصادها أو قدراتها العسكرية فقط، ولكن بقدرتها على تفسير موقعها ودورها في عالم سريع التحول. في بيئة سياسية مضطربة تتغير فيها التحالفات وتتبدل فيها مراكز النفوذ، وتتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية، يصبح امتلاك سردية استراتيجية واضحة ضرورة سيادية لحماية الدول. وما تعلمناه في “إدارة التحولات والسرد الاستراتيجي” بأن الدولة التي لا تُعرّف موقعها، يُعاد تعريفها. والدولة التي لا تبني سردها، تُبنى لها سرديات بديلة.
كان الاضطراب الدولي في منتدى دافوس واضحاً، ويشير إلى نظام دولي يتجه إلى عالم متعدد الأقطاب، القوة الأوروبية تلوح بتحولها باتجاه الصين، ومع صعود الدب الروسي، وفرض الصين قوتها في النظام الدولي كقوة منافسة للولايات المتحدة الأمريكية كما ذكر المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأن عصر الهيمنة الأمريكية انتهى والريادة الأمريكية موضع شك. فمن تحليل التصريحات نرى بشكل واضح بأن السردية الاستراتيجية في المحافل الدولية الكبرى، كانت حاضرة بقوة في المنتدى الاقتصادي العالمي، حيث عرض قادة الدول السياسات كقصص وطنية عن المستقبل. فعندما يؤكد قادة دول مثل كندا على التعددية والاستقرار المؤسسي، أو يتحدث قادة أوروبيون عن “السيادة الاستراتيجية”، فهم يعيدون تثبيت موقع أوطانهم ضمن نظام دولي متغير. ومن موقع الدراسة والبحث فإننا نشاهد مرافقة الصعود الاقتصادي الصيني خلال العقود الأخيرة سردية استراتيجية طويلة المدى تربط بين التنمية الداخلية والدور الدولي المتنامي. فقد كان النمو اقتصادياً مدعوماً بإطار تفسيري واضح يشرح مساره واتجاهه.
ومن خلال هذا المنظور، تتحول السردية الاستراتيجية إلى أداة تموضع في النظام الدولي، وآلية لحماية الشرعية الداخلية، وتعزيز الثقة الخارجية، وضبط العلاقة بين الداخل والخارج. فهي الجسر الذي يربط السياسات بالمعنى، والتحولات بالاستقرار، والقرارات اللحظية بالاتجاه طويل المدى.
وفي ظل هذه التحولات الكبرى في النظام الدولي يظهر التحول الاقتصادي الخليجي والسرد كأصل سيادي، فتصبح أهمية السردية الاستراتيجية ضرورة لدول الخليج، في ظل ضعف الرابطة العربية وعدم فاعلية المؤسسات الإقليمية. في بيئة تتنافس فيها الدول على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتحسين التصنيفات الائتمانية، وتقليل علاوة المخاطر السيادية، يصبح وضوح السرد الاقتصادي عاملاً مؤثراً في قرارات المستثمرين والأسواق المالية. فالمستثمر في البداية يقرأ الاتجاه، والمؤسسات المالية تنظر إلى استدامة الرؤية.
عندما تتسق السياسات الاقتصادية مع سرد استراتيجي واضح يشرح منطق الإصلاح وأهدافه الزمنية، وطمأنة الخارج على استقرار الداخل وتماسك المجتمع، ينخفض مستوى عدم اليقين، وتتحسن قابلية التنبؤ، وتتراجع علاوة المخاطر. أما في غياب سردية متماسكة، فقد تُفهم التحولات التنظيمية أو إعادة الهيكلة على أنها تقلبات ظرفية، لا خطوات ضمن مسار طويل المدى. لذلك تصبح السردية الاستراتيجية في الخليج أحد الأصول السيادية غير الملموسة التي تؤثر مباشرة في الثقة الاقتصادية والاستقرار المالي، وتنعكس على الداخل والخارج.
السردية تعتبر أداة رئيسية لإدارة المخاطر في البيئات المتحولة، أكثر المخاطر تنشأ من سوء تفسير القرار، والأخطر على الدول بأن تبنى سردية من خارج حدود الدولة. فالتحولات الكبرى سواء كانت اقتصادية أو تنظيمية أو جيوسياسية تخلق فراغاً تفسيرياً. وإذا لم يُملأ هذا الفراغ بسرد استراتيجي واضح، تتقدم الروايات البديلة. فالسردية الاستراتيجية ليست بياناً سياسياً ولا حملة علاقات عامة. إنها إطار طويل المدى يجيب عن أسئلة أساسية: من نحن؟ ما دورنا؟ لماذا نتحرك بهذا الاتجاه؟ وإلى أين نتجه؟ فتتحول إلى الوعي الجمعي فتنتج قبول الشرعية المجتمعية قبل أن تتحول للخارج. فالدول التي تمتلك هذا الإطار تقلل من مخاطر سوء الفهم الدولي، وتحد من تضخم الشكوك، وتعزز ثقة الشركاء والمستثمرين. فوضوح المعنى يُنتج وضوحاً في التوقعات، ويمنح الدولة مساحة مناورة أوسع في إدارة التوازنات.
وبناءً على إدارة التحولات لا يمكن بناء سردية دولية مستقرة دون هندسة داخلية واضحة. فالسرد امتداد للإصلاح، وعندما تتكامل الهندسة المؤسسية مع التموضع الاستراتيجي، يتحول التوازن من حالة دفاعية إلى أداة قوة ناعمة. فالدولة التي تنجح في صياغة سردية استراتيجية متماسكة مدعومة ببنية مؤسسية منضبطة تستطيع أن تمارس توازنات دقيقة دون أن تُفسَّر خياراتها كتردد أو تناقض أو تغير.
في بيئة دولية متحولة، يصبح السؤال الرئيسي كيف نفسر حركتنا؟ فالسردية الاستراتيجية وإدارة التحولات هي أداة تموضع وإدارة مخاطر وتعزيز ثقة. التوازن لا يعني الغموض، والحياد لا يعني الضعف. فعندما يستندان إلى وضوح داخلي وسرد منضبط يكون أحد أكثر أشكال السيادة هدوءاً وفاعلية. وفي عالم تتقاطع فيه القوة مع المعنى، تبقى القدرة على تعريف الذات وضبط التفسير أحد أهم عناصر الاستقرار طويل المدى.
محمد خليف الثنيان
مؤسس ورئيس مركز طروس
This post has already been read 25 times!

