تمهيد
شهدت المنطقة خلال اليومين الماضيين تصعيداً خطيراً وغير مسبوق، انتقل من مواجهة بين أطراف بعينها إلى نطاق أوسع شمل دول مجلس التعاون الخليجي.
التصعيد شمل تعديات إيرانية آثمة على سيادة دول الخليج، تمثلت في هجمات صاروخية وبالطائرات المسيرة استهدفت منشآت حيوية ومدنية في عدة دول.
وفي ظل هذا التصعيد، برزت إشكالية جوهرية تتعلق بمبدأ سيادة الدول، خاصة مع استهداف أراضٍ خليجية لم تكن مصدراً مباشراً لأي عمل عسكري ضد إيران.
هذا التحول يمثل انتقالاً خطيراً في قواعد الاشتباك الإقليمي، ويطرح تساؤلات حول مشروعية توسيع مسرح العمليات العسكرية.

بين مبدأ الدفاع عن النفس وانتهاك السيادة
يقوم النظام الدولي على قاعدة أساسية مفادها حظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة، باستثناء حالة الدفاع عن النفس في مواجهة اعتداء مباشر. غير أن توسيع نطاق الرد العسكري ليشمل دولاً لم تبادر بالهجوم يثير إشكالية قانونية واضحة، إذ إن مبدأ الدفاع عن النفس يقتضي توجيه الرد نحو مصدر التهديد المباشر، لا تعميم الاستهداف على أطراف إقليمية أخرى.
ومن المنظور الخليجي، فإن المحاولة الإيرانية البائسة لإقحام دول الخليج التي لطالما حافظت على موقفها الحيادي في الصراع “الإيراني – الأمريكي – الإسرائيلي” واستهداف أراضيها – حتى لو كان بذريعة ضرب قواعد أجنبية موجودة فيها – يُعد مساساً بسيادتها واستقلال قرارها الوطني.

الوساطة لاحتواء التصعيد
كما لا يخفى على أحد أن بعض الدول الخليجية قد لعبت خلال الفترة الأخيرة أدواراً في الوساطة لاحتواء التصعيد في المنطقة، ما يجعل إدخالها في دائرة الاستهداف تطوراً يتجاوز منطق الرد العسكري إلى منطق الضغط السياسي ورفع الكلفة على الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة.
يمكن قراءة هذا التوسع في الضربات من قبل الجانب الإيراني باعتباره محاولة لإعادة تعريف ساحة الصراع، وتحويله من مواجهة ثنائية إلى أزمة إقليمية، بما يهدد استقرار منطقة تُعد شرياناً حيوياً للطاقة العالمية. غير أن هذا النهج يسهم بشكل جدي في توحيد الموقف الخليجي، وتعزيز الاصطفاف الإقليمي بدلاً من إضعافه.

خاتمة
يمثل استهداف دول مجلس التعاون الخليجي في سياق مواجهة لم تكن هي طرفاً مباشراً فيها وفي خضم الجهود التي تبذلها لتحقيق الأمن والسلام وتجنّب الحرب، سابقة خطيرة في بنية الأمن الإقليمي.
كما أن المساس بسيادة الدول لا يمكن تبريره ضمن توسيع مفهوم الدفاع عن النفس إلى حدود مفتوحة، كما أن إدخال أطراف جديدة في الصراع يهدد بتحويل الأزمة إلى نزاع إقليمي واسع النطاق.
الحفاظ على استقرار الخليج يتجاوز كونه مصلحة خليجية، ويمتد إلى النطاق الدولي كون استقرار المنطقة يرتبط بشكل وثيق بأمن الطاقة والتجارة العالمية.
وعليه، فإن أي انزلاق نحو تعميم المواجهة ستكون كلفته باهظة على جميع الأطراف، ما يجعل العودة إلى قواعد القانون الدولي وضبط نطاق العمليات العسكرية ضرورة استراتيجية قبل أن يصبح الاحتواء أكثر صعوبة.
This post has already been read 34 times!

