في لحظةٍ فارقة تعيشها الكويت ودول الخليج، بدا شهر رمضان هذا العام مختلفاً في ملامحه الخارجية، لكنه أكثر عمقاً في جوهره. فمع تصاعد التوترات الإقليمية والاستهداف الإيراني المتكرر لدول الخليج العربية، وجد الخليجيون أنفسهم أمام اختبار جديد لوحدتهم وصلابتهم. ورغم القلق المشروع الذي يرافق مثل هذه الأحداث، إلا أن المشهد الداخلي حمل مفارقة لافتة وهي ازدياد الروحانية، وتعاظم التماسك الوطني، وارتفاع منسوب الوعي المجتمعي بقيمة الأمن والاستقرار.
قد يكون البعض افتقد أجواء القرقيعان، والغبقات، والاستقبالات الرمضانية التي اعتادها المجتمع الخليجي، لكن هذا الغياب لم يترك فراغاً بقدر ما فتح مساحة أوسع للروحانية والسكينة. عاد رمضان إلى جوهره الأول، خلوة الروح، دفء العائلة وطمأنينة الدعاء.
في البيوت، ازداد الترابط الأسري، وتعمّقت الأحاديث التي كانت تسرقها مشاغل الحياة. وفي المساجد، ارتفعت الدعوات لوطنٍ آمن، ولأمةٍ متماسكة، ولأيامٍ تحمل من الخير أكثر مما تحمله من الخوف.
ورغم كل ما جرى، يأتي عيد الفطر المبارك ليؤكد حقيقة راسخة أن الكويت ودول الخليج ما زالت، بفضل الله أولًا، ثم بحكمة قياداتها الحكيمة وتماسك شعوبها، تنعم بالأمن والاستقرار اذ لم تهتز الجبهة الداخلية، ولم تتراجع الثقة، بل على العكس، تجدد الشعور بالامتنان، حيث أدرك الجميع أن العادات يمكن أن تُؤجَّل، أما الأوطان فلا تُعوَّض. وأن الحرمان المؤقت من بعض العادات ليس بخسارة، بل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات واستشعار النعم التي قد نغفل عنها في زحمة الاحتفالات.
في الأزمات، يختبر الله صبر عباده، ويمنحهم من اللطف ما يبدد القلق ويعيد الطمأنينة. وما شهدته المنطقة كان درساً جديداً في أن الأمن ليس أمراً مفروغاً منه، بل نعمة تستحق الشكر الدائم لله أولاً ثم العمل والسعي لديمومته.
وهكذا يأتي العيد هذا العام مختلفاً، لكنه أكثر صدقاً. عيدٌ يذكّرنا بأن الأوطان التي يحميها أبناءها، والقيادات التي تقف بثبات متكاملة مع شعوبها، قادرة على تحويل المحن إلى منح، والخوف إلى قوة، والقلق إلى يقين.
الحمد لله على وطنٍ آمن، وعلى شعبٍ متماسك، وعلى نعمٍ تتجدد حتى في أحلك الظروف.
اللهم احفظ خليجنا من كل حاقد وطامع و مكروه. وكل عام والجميع بخير.
This post has already been read 48 times!

