المقدمة
تشهد غزة مرحلة غامضة فيما بعد الحرب، حيث تتقاطع الإرادة الدولية مع مصالح الفاعلين الإقليميين والمحليين. ويتصدّر سؤال “من سيحكم غزة؟” أجندة الدبلوماسية الدولية، في ظل فشل إسرائيل في طرح بديل مستدام، وغياب توافق فلسطيني داخلي، ووجود جهود دولية لتشكيل إدارة انتقالية “مجلس السلام”.
تشير القراءة الحالية إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير والمتوسط هو إدارة انتقالية دولية–عربية ذات طبيعة تكنوقراطية، يليها مسار تدريجي لإعادة دمج غزة في منظومة السلطة الفلسطينية بعد إعادة هيكلتها، مع بقاء “حماس” لاعبًا غير حاكم لكنها فاعل مؤثر في المجتمع والسياسة.
الخلفية والمشهد العام
الحرب الأخيرة أحدثت فراغاً إدارياً وأمنياً واسعاً في القطاع.
إسرائيل تعلن رفضها لعودة حكم “حماس”، لكنها لا ترغب في تحمل مسؤولية إدارة مدنية طويلة الأمد.
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يدفعان نحو “صيغة انتقال” تضمن الأمن وإعادة الإعمار.
الدول العربية منخرطة في هندسة الترتيبات المقبلة، خصوصًا ما يتعلق بالإعمار والملف الإنساني.
السلطة الفلسطينية تُطرح كخيار لاحق، لكنها تواجه تحديات في الشرعية والقدرة.
البيئة الشعبية داخل غزة تعاني من الإنهاك، ما يزيد الحاجة إلى جسم إداري مستقر ومحايد.
المواقف والفاعلين
أولًا: إسرائيل
هدفها الأساسي: منع عودة “حماس” كسلطة حاكمة.
موقفها من السلطة الفلسطينية: متحفظ، ترى أنها ضعيفة وغير قادرة على توفير الأمن.
الخيار المفضل: إدارة أمنية إسرائيلية غير مباشرة مع جهة مدنية غير معادية لإسرائيل.
ثانيًا: الولايات المتحدة
تدفع نحو صيغة انتقالية دولية “مجلس السلام” مع دور فلسطيني لاحق.
أولويتها: منع انهيار الوضع الإنساني ومنع فراغ يسمح بعودة “حماس” أو تدخل قوى إقليمية.
ثالثًا: الدول العربية
ترفض أي وجود إسرائيلي داخل غزة وتدعم إدارة فلسطينية تحت إشراف دولي.
معنية بدور في إعادة الإعمار والحفاظ على قناة اتصال مع “حماس”.
تشجع صيغة تكنوقراطية لإدارة غزة ودمجها مستقبلاً في السلطة.
رابعًا: السلطة الفلسطينية
تسعى لاستعادة دورها، لكنها تحتاج إلى دعم مالي وأمني ودولي لإعادة الانتشار بنجاح.
خامسًا: حركة حماس
لن تعود كسلطة رسمية بسهولة، لكن قدرتها على البقاء كفاعل اجتماعي وسياسي كبيرة.
قد تحتفظ بقوة “ظل” أو دور سياسي عبر المصالحة أو الترتيبات طويلة المدى.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو (1): إدارة انتقالية “مجلس السلام”
إنشاء هيئة دولية للإشراف على القطاع “مجلس السلام” تضم رؤساء دول ورؤساء وزراء وتشمل إدارة مدنية تكنوقراطية، مع قوة أمنية متعددة الجنسيات.
وتُدار غزة في ظل هذه الهيئة من قِبل لجنة فلسطينية تكنوقراطية غير سياسية، مسؤولة عن إدارة الخدمات العامة والبلديات اليومية لسكان القطاع.
لماذا مرجّح؟
توافق “أمريكي – عربي”.
رفض إسرائيلي لعودة “حماس”.
ضعف السلطة الفلسطينية حاليًا.
أزمة إنسانية تتطلب قدرة تنفيذية سريعة.
المخاطر:
عدم قبول فصائل فلسطينية.
تحديات التمويل والاستدامة.
السيناريو (2): انتقال تدريجي نحو حكم السلطة الفلسطينية
تسلّم السلطة مهام مدنية تدريجية بعد إعادة هيكلتها وضمان دور أمني دولي.
عوامل الدفع:
دعم دولي لفكرة “الشرعية الفلسطينية”.
رغبة عربية في توحيد الضفة وغزة.
التحديات:
أزمة الشرعية داخل الشارع الفلسطيني.
قدرة السلطة على السيطرة في بيئة معقدة مثل غزة.
السيناريو (3): عودة “حماس” بشكل مقنّع أو سياسي
دور سياسي دون حكم مباشر، عبر الانتخابات أو المصالحة أو نفوذ غير رسمي.
أسباب محتملة:
قاعدة شعبية كبيرة داخل غزة.
فشل الإدارة الانتقالية أو السلطة في توفير الأمن والخدمات.
التحديات:
رفض دولي وإسرائيلي شديد.
صعوبة دمج الأجنحة العسكرية في ترتيبات مستقبلية.
السيناريو (4): إدارة إسرائيلية موسّعة
تحكم أمني مباشر وفترة طويلة من السيطرة بحجة محاربة الفصائل.
الاحتمال ضعيف:
ضغط دولي كبير.
تكاليف هائلة.
صعوبة حكم غزة مدنيًا دون شرعية.
تقدير الاتجاهات المستقبلية
على المدى القصير: إدارة انتقالية “دولية – عربية” مع إعادة الإعمار.
على المدى المتوسط: بروز دور للسلطة الفلسطينية بعد إعادة تأهيلها.
على المدى الطويل: صيغة حكم فلسطينية موحّدة، قد تشارك “حماس” فيها سياسيًا دون حكم مباشر.
التداعيات المحتملة
على الأمن الإقليمي: حالة استقرار مشروطة بمدى نجاح القوة الدولية.
على القضية الفلسطينية: إعادة إحياء فكرة “السلطة الواحدة”.
على العلاقة “الفلسطينية – الإسرائيلية”: استمرار الصدام حول الأمن والحدود والملف العسكري.
على الإعمار: يتطلب إدارة شفافة وموارد “عربية – دولية” مشتركة.
التوصيات
دعم إنشاء إدارة انتقالية محايدة قادرة على توفير الخدمات بسرعة.
تعزيز دور عربي مباشر في الإعمار والأمن الإنساني لضمان عدم انفراد طرف واحد.
الضغط نحو إصلاح داخلي فلسطيني يُمكّن السلطة من العودة تدريجيًا.
إطلاق مسار مصالحة فلسطينية واقعية تُعيد دمج القوى السياسية دون ترك فراغ أمني.
ضمان عدم تهميش سكان غزة عبر إشراك مؤسسات المجتمع المدني في أي ترتيبات مستقبلية.
This post has already been read 173 times!

