تابعنا اجتماع وزراء الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي وبنود جدول أعماله وما خرج به يوم أمس الاثنين، فقد عكس إدراكاً متزايداً لطبيعة هذا التحول في شكل الصراعات.
في الحروب الحديثة، الصراع انتقل إلى ساحة أخرى لا تقل تأثيراً، وهي ساحة السردية. فالدول اليوم لا تكتفي بالدفاع عن حدودها بالسلاح، ولكن تسعى أيضاً إلى حماية وعي مجتمعاتها وصورة مواقفها أمام العالم.
وقد تابعنا مسودة الخطة الإعلامية التي قدمها المدير العام لمؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لمجلس التعاون الشيخ مبارك فهد الجابر الصباح، وهي بشأن توحيد الخطاب الإعلامي الخليجي، في الاجتماع الاستثنائي لوكلاء وزارات الإعلام في دول مجلس التعاون يوم الجمعة الماضي.
لقد كشفت التطورات الأخيرة في المنطقة، أن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الخبر، ولكن أصبح أداة استراتيجية في إدارة الأزمات. فحملات التضليل الإعلامي، وانتشار الأخبار المفبركة، واستخدام المنصات الرقمية للتأثير في الرأي العام، أصبحت جميعها جزءاً من أدوات الصراع السياسي بين الدول. ولهذا لم يكن غريباً أن يتصدر ملف مواجهة التضليل الإعلامي جدول أعمال الاجتماع الخليجي، إلى جانب الدعوة إلى تنسيق الخطاب الإعلامي وتعزيز العمل المشترك في هذا المجال.
غير أن أهمية هذا الاجتماع لا تكمن فقط في مواجهة الحملات الإعلامية المعادية، ولكن في الإشارة إلى فكرة أعمق، وهي ضرورة بناء سردية خليجية موحدة. فالسردية ليست مجرد خطاب إعلامي، وإنما إطار يفسر مواقف الدول ويقدم رؤيتها للعالم. ومن دون سردية واضحة تصنع صورة ذهنية للرأي العام العربي والعالمي قد تتحول الأحداث إلى روايات متناقضة يكتبها الآخرون، بينما تفقد الدول القدرة على شرح مواقفها أو الدفاع عن مصالحها.
ومن خلال هذا التصور، كتبنا في مركز طروس للاستشارات عدة دراسات حول أهمية السردية الاستراتيجية، وآخر دراسة نشرناها في ٥ /٣/ ٢٠٢٦، وهي بعنوان: دور السردية الخليجية في مواجهة التصعيد الإيراني، يمكن القول إن بناء السردية الخليجية أصبح جزءاً من منظومة الأمن الاستراتيجي. فالسردية القادرة على تفسير السياسات وتعزيز الثقة داخل المجتمع تمثل خط دفاع مهماً في مواجهة حملات التشكيك أو محاولات بث القلق. كما أنها تمنح دول الخليج القدرة على مخاطبة الرأي العام الدولي بلغة واضحة، تشرح دورها في استقرار المنطقة وتبرز التزامها بالمسؤولية الإقليمية.
ولا يقتصر دور هذه السردية على الداخل الخليجي فقط، وإنما يمتد أيضاً إلى العالم العربي والرأي العام الدولي، بما في ذلك الغرب. ففي زمن التحولات الكبرى، تصبح إدارة الصورة والرسالة السياسية جزءاً من أدوات النفوذ. ومن ينجح في تقديم روايته للعالم يمتلك قدرة أكبر على التأثير في البيئة الدولية التي تتحرك فيها السياسات.
إن اجتماع وزراء الإعلام الخليجي يمكن قراءته على أنه خطوة أولى في مسار أوسع يتمثل في الانتقال من الإعلام الدفاعي إلى الإعلام الاستراتيجي. فالتحدي الحقيقي لا يقتصر على الرد على حملات التضليل، ولكن في القدرة على صياغة خطاب طويل المدى يفسر تحولات المنطقة ويعزز الثقة في مواقف دول الخليج.
وفي ظل الاضطرابات والتحولات التي يشهدها الشرق الأوسط، يصبح بناء سردية خليجية موحدة ليس مجرد مشروع إعلامي، وإنما جزءاً من مشروع سياسي واستراتيجي أوسع يهدف إلى تعزيز التكامل بين دول المجلس وتقديم رؤية مشتركة للعالم. فالدول التي تمتلك القدرة على تفسير الأحداث وإدارة الوعي العام تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها في بيئة دولية معقدة.
لقد أثبتت التجارب الحديثة أن الحروب لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، ولكن بقدرة الدول على إدارة المعنى الذي تحمله الأحداث. ومن هنا تصبح الكلمة أحياناً جزءاً من منظومة الأمن القومي، لأنها تشكل الوعي العام وتحدد كيف تُفهم السياسات والقرارات.
إن بناء السردية الخليجية الموحدة هي خطوة استراتيجية نحو تعزيز الاستقرار الإقليمي وترسيخ حضور الخليج كقوة مسؤولة تسعى إلى حماية أمن المنطقة وإدارة تحولات المستقبل بثقة وحكمة.
محمد خليف الثنيان
مؤسس ورئيس مركز طروس
This post has already been read 48 times!

