المقدمة
في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، لم تعد المعركة الإعلامية تقتصر على نقل للأحداث، وتحولت إلى صراع على تفسيرها وصياغة دلالاتها والتأثير في اتجاهات الرأي العام العربي والدولي.
وفي هذا السياق، أطلق مركز طروس دراسة تحليلية لقياس أداء القنوات الخليجية في بناء السردية الاستراتيجية خلال الأزمة، بهدف فهم نقاط القوة والفجوات، وتحديد مسارات التطوير المطلوبة لتعزيز التأثير الإعلامي الخليجي، وشملت الدراسة استطلاع رأي عام.
المنهجية
اعتمدت الدراسة على عينة شملت 300 من الأكاديميين والمفكرين والمثقفين.
طبقت الدراسة نموذج “بطاقة تقييم السرد الاستراتيجي – Strategic Narrative Scorecard” لقياس الأداء السردي.
التقييم خلال الدراسة شمل 7 معايير رئيسية:
• وضوح الرواية (Clarity)
• الاتساق (Consistency)
• الإقناع (Persuasion)
• تفكيك رواية الخصم (Counter-Narrative)
• التأثير (Influence)
• إدارة الأزمة إعلاميًا (Crisis Framing)
• الانتشار والتأثير الجماهيري (Reach)
التقييم العام
أظهرت نتائج الدراسة أن هناك حضورًا إعلاميًا خليجيًا قويًا على مستوى تغطية الأحداث، إلا أن هناك ضعفًا واضحًا في بناء سردية موحدة ومتماسكة تبرز دور الخليج في دعم القضية الفلسطينية كقضية مركزية، وفي تعزيز استقرار المنطقة، وجهوده لتجنب التصعيد، ودوره في استقرار الاقتصاد العالمي. كما كشفت الدراسة عن فجوة كبيرة في تفكيك روايات الخصوم، خصوصًا في البعد الإيراني، مع غياب الاتساق بين القنوات في تفسير الأحداث وتقديمها.
يمكن تلخيص النتيجة بالقول إن الإعلام الخليجي حاضر، لكنه غير مهيمن سرديًا، مما حد من قدرته على إقناع العالم العربي بروايته.
تقييم القنوات
قناة العربية/الحدث
أظهرت القناة حضورًا واضحًا في تقديم سردية خليجية متماسكة، مع قدرة ملحوظة على تفسير الرواية الخليجية بشكل مباشر، كما اعتمدت بشكل أساسي على إبراز العنصر الخليجي في الطرح، وهو ما انعكس في وضوح التوجه العام واتساق الرسالة الإعلامية.
بينما عانت القناة من محدودية التأثير، إلى جانب ضعف نسبي في الانتشار، الأمر الذي حدّ من قدرتها على الوصول إلى نطاق أوسع من الجمهور وصناعة حضور إعلامي ممتد.
قناة الجزيرة
تميزت القناة بانتشار واسع وحضور إقليمي ملحوظ، مع تبنّي خطاب يُقدَّم في إطار من الموضوعية بحجة مخاطبة جمهور إقليمي متنوع، وهو ما انعكس في اتساع نطاق الوصول وتعدد دوائر التأثير.
بينما لا تعكس القناة سردية خليجية واضحة، إذ يغيب عنها تبنّي إطار خليجي محدد في الطرح أو تقديم رواية منسجمة مع هذا السياق.
سكاي نيوز عربية
امتلكت القناة سردية مغايرة للقنوات الخليجية، مع اعتماد واضح على طرح يحافظ على المصلحة الوطنية، وهو ما انعكس في طبيعة الخطاب واتجاهاته العامة.
بينما لم تنجح القناة في إقناع شريحة واسعة من الجمهور العربي، إلى جانب معاناتها من ضعف نسبي في التأثير والانتشار على مستوى العالم العربي.
متوسط التفاعل على المنصات
سجلت مشاهدات البث المباشر على منصة اكس تفاوتًا واضحًا بين القنوات، حيث حافظت قناة العربية على مستوى ثابت من المشاهدات بلغ 2.5 مليون مشاهدة. في المقابل، تصدّرت قناة الجزيرة المشهد بأرقام أعلى، إذ سجلت 4.3 مليون مشاهدة. أما سكاي نيوز، فجاءت بفارق كبير، حيث سجلت 133 ألف مشاهدة.
وعلى مستوى البث المباشر عبر يوتيوب، حافظت الجزيرة كذلك على الصدارة، حيث سجلت متوسط مشاهدات بلغ 164 ألف مشاهدة. في حين سجلت قناة العربية متوسط مشاهدات بلغ 29 ألف مشاهدة. أما سكاي نيوز، فبقيت في نطاق محدود، حيث سجلت متوسط مشاهدات بلغ 4.5 آلاف مشاهدة.
وفيما يتعلق بالتفاعل على منصة اكس، يتضح أن الجزيرة تمتلك القاعدة الأكبر من حيث عدد المتابعين بـ22.6 مليون متابع، تليها العربية بـ15 مليون، ثم سكاي نيوز بـ8.8 مليون.
وتعكس هذه المؤشرات تفوقًا واضحًا لقناة الجزيرة من حيث حجم المشاهدة والتفاعل، مقابل أداء مستقر للعربية، في حين تعاني سكاي نيوز من فجوة ملحوظة على مستوى الوصول والتفاعل الرقمي.
تحليل الفجوة الاستراتيجية
تكشف نتائج الدراسة عن فجوة مركزية تتمثل في غياب قناة إعلامية خليجية قادرة على الجمع بين عناصر القوة الثلاثة: بناء رواية واضحة، وتحقيق تأثير جماهيري واسع، وتفكيك منهجي لروايات الخصوم. هذا الغياب يعكس خللًا بنيويًا في بنية الأداء الإعلامي، حيث تعمل كل قناة ضمن نطاقها الخاص دون تكامل خليجي حقيقي يحقق الفاعلية الشاملة.
تتمثل أولى هذه الفجوات في غياب إطار تفسيري خليجي موحد، إذ لا يوجد خطاب جامع يعكس رؤية مشتركة للأحداث، ولكن تعمل كل قناة من زاوية مستقلة وفق أولوياتها التحريرية. ويؤدي هذا التباين إلى تشتت الرسالة الإعلامية، بما ينعكس سلبًا على القدرة على التأثير السياسي وتوجيه الرأي العام العربي.
أما فجوة تفكيك رواية الخصم فتتمثل في غياب منهجية واضحة لتحليل الخطاب المضاد ومواجهته بشكل جماعي على مستوى القنوات الإعلامية. إذ يتركز الأداء الإعلامي غالبًا على نقل الحدث أو شرحه، دون التعمق في تفكيك بنيته السردية أو كشف تناقضاته. ونتيجة لذلك، تستمر الروايات الإيرانية بشأن الدفاع عن القضية الفلسطينية في الانتشار والتوسع، دون أن يتم الكشف عن الدور الحقيقي لإيران في التدخل في الدول العربية، والتوظيف السياسي للقضية الفلسطينية، وزعزعة الاستقرار الإقليمي. وهذا يحدث في ظل غياب مواجهة فكرية وإعلامية فعّالة تحافظ على التوازن وتأثير الإعلام الخليجي داخل الرأي العام العربي.
وفيما يتعلق بصناعة الرأي العام، يتضح أن الإعلام الخليجي لا يزال يتحرك في إطار الدور التقليدي القائم على النقل والشرح، دون الانتقال إلى مرحلة القيادة والتوجيه. هذا القصور يحد من قدرته على التأثير خارج النطاق المحلي، ويجعل حضوره الإقليمي أقل فاعلية مقارنة بقدراته التقنية والإعلامية المتاحة.
أخيرًا، تبرز فجوة الاتساق السردي كأحد أبرز التحديات، حيث يظهر اختلاف واضح في الخطاب بين القنوات، إلى جانب غياب التنسيق في الرسائل الإعلامية. ويؤدي هذا التباين إلى إضعاف القوة الناعمة الخليجية، وتقليل قدرتها على تقديم صورة موحدة ومؤثرة في الساحة الإقليمية.
فجوة الهوية السردية
تكشف الدراسة عن مؤشر بالغ الخطورة يتمثل في أن بعض المؤسسات الإعلامية تعمل دون امتلاك سردية واضحة توجه تغطيتها، وهو ما يعني أن الأداء الإعلامي يتحرك فردياً في فراغ استراتيجي. ويتفاقم هذا التحدي مع وجود كوادر إعلامية لا تتبنى الرواية الخليجية من الأساس، ما ينعكس على طبيعة الخطاب واتجاهاته، ويضعف من تماسك الرسالة الإعلامية.
ولا تقتصر دلالة هذه النتيجة على كونها مجرد خلل مهني أو قصور في الأداء، بل تشير إلى فجوة أعمق تتعلق بالانتماء السردي والاتجاه الاستراتيجي الجماعي. وهذه الفجوة تمثل الخطر الأكبر، لأنها تمس الأساس الذي يُبنى عليه الخطاب الإعلامي، وليس فقط أدواته أو آلياته.
الاستنتاج الاستراتيجي
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن الإعلام الخليجي يمتلك قوة واضحة على مستوى المنصات والإمكانات والانتشار، إلا أنه يفتقر إلى سردية موحدة تتبنها كل القنوات، بما يفكك رواية الخصم ويجعلها قادرة على توظيف هذه القوة وتحويلها إلى تأثير استراتيجي متماسك. وبعبارة أخرى، هو إعلام قوي كمنصة، لكنه لا يزال ضعيفًا كسردية جامعة لكل القنوات تقود المشهد وتحدد اتجاهه.
التوصيات
تفرض نتائج الدراسة ضرورة العمل على بناء سردية خليجية موحدة تُشكّل الإطار الناظم للعمل الإعلامي، بما يضمن الاتساق والتكامل بين مختلف المنصات، عبر الانتقال من مجرد نقل الحدث إلى تفسيره، ثم الارتقاء إلى مرحلة قيادة الرواية وصياغة دلالاتها، بدل الاكتفاء بردود الفعل على ما يطرحه الآخرون. ويستدعي ذلك أيضًا إنشاء إطار تفسيري مشترك يحدد زوايا المعالجة الإعلامية، وتطوير خطاب منسق يعكس رؤية موحدة، بالتوازي مع تبنّي استراتيجية منهجية لتفكيك الروايات المعادية تقوم على تحليل الخطاب وكشف بنيته وتأثيراته، لا مواجهته بشكل جزئي أو ظرفي.
وفي هذا السياق، يصبح الاستثمار في صناعة الرأي العام العربي أولوية استراتيجية، من خلال أدوات أكثر تأثيرًا وانتشارًا، مع تعزيز الاتساق بين القنوات لضمان تقديم رسالة متماسكة وقادرة على التأثير. وهو ما يتقاطع مع ما أكده عبد الله بن محمد بن بطي آل حامد، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام في الإمارات، بأن امتلاك الرواية هو مفتاح إدارة الأزمات، إذ لا تُحسم الأزمات بردود الأفعال، بل بالتحكم في مسارها وصياغة روايتها بثقة ووضوح، حيث يشكّل وعي المواطن خط الدفاع الأول، ويعبّر اتزان الخطاب عن سيادة راسخة لا تعرف الارتباك.
كما ينسجم ذلك مع دعوة وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري إلى تبنّي خطاب إعلامي موحّد ومسؤول، يقف صفًا واحدًا في مواجهة التحديات التي تستهدف أمن واستقرار دول مجلس التعاون، بما يعزز من قوة الرسالة الإعلامية وتماسكها.
وفي الإطار ذاته، يبرز دور الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي في تبنّي توجه مؤسسي نحو توحيد السردية الخليجية، إلى جانب مسؤولية وزراء الإعلام الخليجيين في قيادة هذا المسار وترجمته إلى سياسات إعلامية مشتركة تعزز الحضور والتأثير الإقليمي.
الخلاصة
يقف الإعلام الخليجي اليوم أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما أن يتحول إلى فاعل استراتيجي قادر على قيادة الرواية وصناعة التأثير، مستفيدًا من إمكاناته الكبيرة، أو يظل في موقع رد الفعل، تاركًا مهمة تفسير الأحداث وصياغة الوعي للآخرين.


This post has already been read 173 times!

