تمهيد
تتصاعد في الآونة الأخيرة المخاوف الدولية بشأن أمن الملاحة في واحد من أهم شرايين التجارة العالمية، الممتد بين مضيق هرمز ومضيق باب المندب. ففي أعقاب الضربات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية على إيران نهاية فبراير الماضي، تحولت هذه الممرات إلى مواجهة اضطراب مزدوج غير مسبوق: إغلاق تشغيلي شبه كامل لمضيق هرمز من قبل الحرس الثوري الإيراني، مع انخفاض حركة الناقلات إلى قرب الصفر، واستئناف تهديدات جماعة الحوثي في اليمن باستهداف السفن في باب المندب والبحر الأحمر كرد فعل على تلك الضربات. هذان المضيقان يشكلان معاً ممراً استراتيجياً يربط الخليج العربي بالبحر الأحمر ومنه إلى قناة السويس، وهو الطريق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة (حوالي 20% من النفط العالمي عبر هرمز، ونحو 4-5% عبر باب المندب) والبضائع بين آسيا وأوروبا.
وفي ظل التوترات الإقليمية الحالية، تحولت المخاوف إلى واقع ملموس: استخدمت بعض الأطراف الإقليمية (إيران والحوثيون) هذه الممرات كورقة ضغط سياسية وعسكرية مباشرة، مما أدى إلى تعليق شركات الشحن الكبرى عبورها عبر باب المندب والسويس، وإعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح، مع تداعيات اقتصادية عالمية فورية وارتفاع حاد في أسعار الطاقة.

المحور
تكتسب المخاوف المرتبطة بمضيق باب المندب أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه الجغرافي الحساس، حيث يشكل بوابة العبور بين البحر الأحمر وخليج عدن، وبالتالي حلقة وصل رئيسية بين طرق التجارة القادمة من آسيا والمتجهة إلى أوروبا.
وتشير تقديرات عديدة إلى أن جزءاً مهماً من تجارة النفط والغاز والسلع العالمية يمر عبر هذا المضيق، ما يجعله أحد أهم نقاط الاختناق في النظام التجاري الدولي، خاصة مع عودة التهديدات الحوثية في أوائل مارس الجاري.
الطبيعة القانونية لمضيق باب المندب
من الناحية القانونية، يخضع المضيق لقواعد الملاحة الدولية المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، التي تضمن حق المرور العابر للسفن التجارية والعسكرية. وبموجب هذه القواعد، لا يحق لأي دولة أو طرف مسلح تعطيل الملاحة الدولية في المضائق التي تُعد ممرات حيوية للتجارة العالمية. غير أن الواقع الجيوسياسي في المنطقة يوضح أن هذه القواعد القانونية قد تتعرض لضغوط كبيرة في حال تصاعد الصراعات المسلحة، كما حدث في عام 2026 حيث أدى الإغلاق التشغيلي في هرمز والتهديدات في باب المندب إلى تعليق الملاحة رغم الحماية القانونية الدولية.
سيناريوهات الإغلاق
تتعدد السيناريوهات المحتملة لتعطيل الملاحة في مضيق باب المندب، وقد تحقق جزء كبير منها في أواخر فبراير الماضي وبداية مارس الجاري. ويبرز سيناريو الإغلاق غير المباشر عبر الفاعلين المحليين، حيث منح وجود جماعة الحوثي على الساحل الغربي لليمن قدرة على التأثير في حركة السفن عبر استهدافها بالصواريخ والطائرات المسيّرة، أو التهديد بزرع ألغام بحرية، أو خلق بيئة أمنية عالية المخاطر.
وقد أخذ هذا المسار شكل التصعيد المتدرج: بدأ بتهديدات الحوثيين بالعودة إلى الهجمات كرد فعل على الضربات على إيران، ثم توسيع نطاق التهديدات، مما دفع شركات الشحن إلى تجنب المرور عبر باب المندب مرة أخرى. أما في مضيق هرمز، فقد تحول التهديد إلى إغلاق تشغيلي فعلي، مع انخفاض حركة السفن إلى مستويات شبه معدومة وهجمات على سفن تجارية أدت إلى حرائق وإخلاء طواقم.
ويظل احتمال التنسيق بين الضغوط في باب المندب والعمليات في مضيق هرمز قائماً، مما يخلق حالة من الضغط البحري المزدوج، تضاعف من أثر أي اضطراب أمني في المنطقة.

الآثار الاقتصادية
تجاوزت آثار الاضطراب في باب المندب وهرمز البعد العسكري لتشمل تداعيات اقتصادية حادة وفورية. فقد أدى تعطيل الملاحة إلى إعادة توجيه واسعة النطاق حول رأس الرجاء الصالح، مما زاد من زمن الرحلات بأسابيع ورفع تكاليف النقل والتأمين بشكل كبير. كما أدى الإغلاق التشغيلي في هرمز إلى تعطل نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، مما دفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع الحاد (مع تجاوز برنت 100 دولار للبرميل في بعض الأيام)، وأجبر وكالة الطاقة الدولية على الإعلان عن سحب احتياطيات طارئة.
أما على قناة السويس، فقد انخفضت حركة السفن مرة أخرى بعد فترة تعافٍ قصيرة في بداية 2026 (حيث ارتفعت الإيرادات بنسبة 14-24% في يناير-فبراير)، مما أثر سلباً على إيرادات مصر. ومن شأن هذه التطورات أن تضغط على سلاسل الإمداد العالمية، وتزيد من مخاطر التضخم، خاصة في أوروبا وآسيا.
الآثار السياسية والأمنية
أما على الصعيد السياسي والأمني، فقد وضع التهديد المزدوج دول المنطقة أمام تحديات غير مسبوقة. فدول الخليج تواجه عزلة جزئية لموانئها، بينما ترى مصر في أي اضطراب في باب المندب تهديداً مباشراً لإيرادات قناة السويس.
كما دفع التصعيد إلى تحركات دولية، بما في ذلك دعوات أمريكية لتحالفات بحرية لحماية الممرات، وتمديد عمليات الحماية الأوروبية السابقة.
ومن المتوقع أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى تعزيز الجهود الدولية لضمان حرية الملاحة، مع التركيز على مواجهة الشبكات المرتبطة بإيران والحوثيين.

الخاتمة
في ضوء تلك التطورات، لم يعد مضيق باب المندب (ومعه هرمز) مجرد ممر بحري عادي، بل أصبح جزءاً مركزياً من معادلة جيوسياسية عالمية تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية الإقليمية مع المصالح الاقتصادية الدولية بشكل مباشر. إن التوترات الحالية – التي أدت إلى إغلاق مزدوج فعلي – لا تقتصر آثارها على الدول المطلة عليها فحسب، بل تمتد لتشمل الاقتصاد العالمي بأكمله، مع مخاطر صدمات طاقة وتضخم عالمي.
ولذلك، يظل الحفاظ على أمن هذه الممرات مسؤولية مشتركة بين الدول الإقليمية والقوى الدولية، تتطلب مزيجاً من الردود الأمنية الحازمة والدبلوماسية الفعالة لخفض التصعيد، وضمان بقاء هذه الشرايين الحيوية مفتوحة أمام التجارة العالمية، ومنع تحول المنطقة إلى ساحة صراع مستمرة.
This post has already been read 51 times!

