تأملات تاريخيّة على هامش الحرب الدائرة حالياً بين إيران من جهة والعدو الصهيوني والولايات المتحدة من جهة أخرى.
أولاً: حفظ الله الكويت حكماً وأرضاً وشعباً وسائر بلاد المسلمين من كل شر وسوء وأخرجنا من هذا الصراع الدامي سالمين آمنين بحوله وقدرته عز وجل.
على هامش الحرب الدائرة تذكرت ونحن مقيدي الإقامة في منازلنا بفعل رعونة الجانب الإيراني وعدم قدرته على تقدير الأمور.
تذكرت عيد يهودي يسمى “عيد بوريم”، يحتفل اليهود فيه بمناسبة نجاتهم من إبادة جماعية خلال فترة حكم الإمبراطورية الأخمينية (الإيرانية) في القرن الرابع قبل الميلاد.
ورد ذكر هذه الأحداث التي يخلدها احتفالهم الصاخب، في سفر من أسفار العهد القديم يسمى سفر “أستير”، ولا توجد عليه مصادر تاريخيّة أو أثرية معتمدة رغم أنه العصر الذي ولدت خلاله الكتابة التاريخية عبر هيرودوت وغيره.
تحكي القصة الكتابية (إن جاز لنا التعبير) عن شخصية بنت يهودية اسمها أستير، بنت يتيمة ورباها عمها مردخاي.
أخفت ديانتها وأعجب بها الملك الأخميني خشيارشا (احشويروش في العهد القديم وهو اكسراكسيس في الكتابات اليونانية) وتزوجها.
كان من كبار رجال الدولة الأخمينية وزير يدعى هامان (ليس المذكور في القران كوزير فرعون)، وكان شخص مستبد طلب من مردخاي عم أستير السجود له، ولكنه رفض، فغضب غضباً شديداً، وعرف بيهودية مردخاي وقرر الانتقام من اليهود كلهم فاستصدر مرسوماً من الإمبراطور الأخميني يقضي بإبادة اليهود كلهم في يوم واحد بعد أن أقنعه بأنهم لا يمتثلون لقوانين الإمبراطورية ويشيعون الفساد ودفع أموال كبيرة لإصدار المرسوم.
هنا تدخلت أستير بعد طلب عمها مردخاي، فأولمت للملك ووزيره هامان وليمتين، وفي الثانية كشفت هويتها الدينية وكشفت مؤامرة هامان على شعبها فغضب الملك بشدة على وزيره الظالم.
وكان هامان قد أعد مشنقة لمردخاي، فصدر الحكم الإمبراطوري أن يشنق هامان على نفس المشنقة التي أعدها لإعدام مردخاي، وصدر مرسوم جديد يبرئ اليهود وتأسس عيد بوريم تخليداً لهذه الذكرى.
هذه القصة لا تخرج عن كونها قصة كتابية لا دليل تاريخي عليها تمجد في الشخصية اليهودية وترسخ لمفهوم العداء الأممي والمظلومية التاريخية التي عاشتها الشخصية اليهودية، وقد استلهمت القصة بعض الحقائق التاريخية مثل الإمبراطور الأخميني خشيارشا أو اكسراكسيس، وهو ملك تمتع بسمعة غير جيدة عند الكتاب الإغريق، فهو قائد الجيش الفارسي الشهير في ثيرموبلاي، والذي دخل أثينا ودمرها وهزم في موقعة سلاميس، والذي صورته السينما الهوليودية في فيلم 300 أسبرطي، وهو فيلم أقل ما يقال عنه أنه فيلم عنصري يمجد العنصر اليوناني.
اما شخصية الوزير هامان الفارسي فلم يثبت لها وجود تاريخي في المصادر الأخمينية (الفارسية).
الجدير بالذكر، أن ما جاء في هذا السفر ينافي المعروف تاريخياً عن طبيعة الحكم الفارسي، الذي كان يتميز بالتسامح الديني مع أصحاب الديانات الأخرى وخصوصاً اليهودية، وسبق للإمبراطور قورش الأكبر أن حررهم من السبي البابليي في حوالي 538 ق.م، بل وأصبحت الجاليات اليهودية تتمتع بحركة التحرك والتجارة في أنحاء الإمبراطورية وتحولوا لحلفاء للفرس في عهد الإمبراطورية الأخمينية.
قد نطرح في إطار تحليلنا لتركيبة الشخصية التاريخية لليهود سؤالين:
الأول، لماذا يقوم اليهود باستغلال نص ديني كسفر أستير لتشوية شكل الحكم الأخميني وهو حليف لهم ونصير كما رأينا؟
وتاريخهم الطويل قد يجيب على هذا السؤال، فلماذا يقوم جهاز الموساد بالتجسس على الولايات المتحدة الأمريكية وهي نصيرهم وسندهم الأهم في العصر الحديث.
السوال الثاني، هل اجتمعت الميديا اليونانية القديمة متمثلة في كتاباتهم التاريخية هيرودوت وغيره مع نصوص سفر أستير اليهودي في تحالف لتشويه شكل الإمبراطورية الأخمينية وملكها خشيارشا الأول؟
هو أمر نراه يتكرر الآن في هذا التحالف غير الشريف بين قوى الصهيونية والغرب لحرب دولة إيران، والتي في محاولتها الرعناء والتي لا يمكن إلا أن توصف بالغباء السياسي، بدأت تعتدي على دول الخليج ومنهم دولة الكويت رغم إعلانهم أكثر من مرة أنهم لن يكونوا منصات للهجوم عليها، لكنها للأسف حرب اليائسين قليلي الحيلة.
حفظ الله الكويت وسائر بلادنا من كل شر وسوء.
This post has already been read 15 times!

