أمام المشهد المتسارع اليوم في المنطقة جراء الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي على إيران وما استتبعه من هجوم الأخيرة على إسرائيل والمصالح الأمريكية في المنطقة واعتداءاتها على دول الخليج، وأمام الأخبار الكثيرة والمتضاربة في بعض الأحيان حول تطورات الأوضاع الميدانية في جميع هذه الدول، من المهم أن نعود خطوة إلى الوراء لنراجع المشهد الإيراني كي نقف على المتغيرات التي أوصلت الأمور إلى ما نراه اليوم. تفترض هذه المقالة أن الوضع الحالي هو نتاج عقود من الضغط المزدوج الذي تعرض له النظام – داخلياً وخارجياً.
دخلت إيران حقبة “الجمهورية الثانية” عقب وفاة قائد الثورة آية الله الخميني سنة 1989. كانت إيران قد خرجت حينها من حرب طاحنة مع العراق استمرت لثماني سنوات قُتل فيها أكثر من ربع مليون إيراني عدا عن الخسائر العسكرية والاقتصادية التي تكبدتها الدولة.
بدأت هذه “الجمهورية” مع اختيار آية الله علي خامنئي كولياً فقيهاً ومرشداً عاماً للثورة بعد أيام من وفاة سلفه. لم يكن المرشد الجديد شخصاً عديم الخبرة السياسية أو بعيداً عن إدارة شؤون الدولة قبل قيادته للثورة. فقد كان ناشطاً سياسياً وثورياً في عهد النظام الملكي، وأصبح نائباً لوزير الدفاع في بدايات “الجمهورية الأولى” وقريباً من المؤسسة العسكرية. كما تم تعيينه إماماً لصلاة الجمعة في العاصمة طهران وانتُخب رئيساً في الفترة من 1981 إلى 1989.
إلا أنه افتقد للمكانة الدينية التي كان يتمتع بها الخميني. فلم يكن خامنئي مرجعاً دينياً عند انتخابه من مجلس الخبراء كقائداً جديداً للثورة. رغم ذلك، استطاع مع مرور الوقت أن يكتسب المكانة الدينية وأن يثبّت أركان حكمه. تحالف المرشد الجديد مع تيار محافظ متشدد بدأت تظهر ملامحه في تسعينيات القرن الماضي. آمن هذا التيار ببقاء واستمرار النظام، وبالولاية المطلقة للولي الفقيه، وبضرورة التصدي للانفتاح على الداخل وعلى المجتمع الدولي. يتكون التيار من سياسيين وناشطين وحتى رجال دين. كما يمكن اعتبار مؤسسة الحرس الثوري أحد أهم المنتمين لهذا التيار. أسهم هذا التحالف في إضعاف موقف الرئيس علي أكبر هاشمي رفسنجاني (1989 – 1997) الذي كان راغباً في التحول من حالة الثورة إلى حالة الدولة من خلال إعادة بناء إيران، خصوصا في أعقاب الحرب مع العراق.
خطاب رفسنجاني المعتدل تعزز مع انتخاب محمد خاتمي كرئيس خامس للجمهورية الإسلامية (1997 – 2005). ساعد تبني خاتمي لخطاب إصلاحي وصوله إلى السلطة حيث استطاع أن يهزم ناطق نوري الذي كان مدعوماً من المرشد. حصل خاتمي حينها على حوالي 69 في المئة من الأصوات – أكثر من 20 مليون صوتاً، في حين حصل نوري على أقل من 25 في المئة من الأصوات – أكثر من 7 مليون صوت.
انتمى خاتمي إلى التيار الإصلاحي الذي ظهر في تسعينيات القرن الماضي أيضاً وكان امتدادا للتيار اليساري الإسلامي الذي حمل أفكاراً ثورية وراديكالية في العقد الأول من عمر الثورة. خضع هذا التيار بعد وفاة مؤسس الثورة لمراجعة أدت به إلى تغيير منطلقاته الفكرية والأيديولوجية. يستند هذا التيار على جملة من المبادئ العامة كالحفاظ على بقاء واستمرار النظام الإسلامي، والتقليل من صلاحيات المرشد، والانفتاح الثقافي في الداخل وذلك بتقليل القيود الاجتماعية والفكرية المفروضة على المجتمع، والاهتمام بقضايا حقوق الإنسان. علاوة على ذلك، استند خاتمي على ما أكد عليه رفسنجاني من أهمية بناء علاقات إيجابية مع المجتمع الدولي.
اصطدمت تلك الأفكار بمقاومة المرشد والتيار المحافظ المتشدد. لذلك، ورغم التأييد الشعبي الذي حظي به خاتمي في الانتخابات، إلا أنه لم يتمكن من تطبيق أفكاره على أرض الواقع. بل أكد في مناسبة ما أن حكومته واجهت أزمة جديدة كل تسعة أيام، كناية عن المشكلات التي صاحبت إدارته لشؤون الدولة.
يمكن القول، أن الحياة السياسية في إيران كان من الممكن لها أن تأخذ مساراً مختلفاً عما هو عليه اليوم إن كان النظام قد قبل أن ينفتح سياسياً وثقافياً وأن يطبق ما سعى إليه رفسنجاني من التحول من حالة الثورة إلى حالة الدولة، وما سعى إليه خاتمي من إصلاح للنظام السياسي. فالنظام الذي ظهر سنة 1979 نتيجة للثورة أنشأ مؤسسات تتداخل صلاحياتها وتضع من هم في الداخل والخارج في حيرة من أمرهم حول صاحب القول الفصل في الدولة. ففي “الجمهورية الأولى” كان هناك منصباً للولي الفقيه، ومنصباً للرئيس، ومنصباً آخر لرئيس الوزراء. كل هذه المناصب كانت مناصب تنفيذية وهو ما كان يؤدي في بعض الأحيان إلى حدوث نوع من النزاع بين القائمين عليها كما حدث بين قائد الثورة، الخميني، وأول رئيس منتخب في إيران، أبو الحسن بني صدر. أو الخلاف بين علي خامنئي، عندما كان رئيساً، وبين رئيس الوزراء مير حسين موسوي. هذا التداخل دفع القائمين على النظام إلى تغيير جزئي في شكل مؤسساته سنة 1989. فقد أُلغي منصب رئيس الوزراء وتم الاكتفاء بمنصبي الولي الفقيه ورئاسة الجمهورية.
لم ينتج عن هذا التعديل حلاً للمعضلة الأساسية التي واجهت الحياة السياسية في إيران. فقد ظل التداخل قائماً في السلطة التنفيذية بين منصبي الولي الفقيه والرئيس. فالولي الفقيه لديه صلاحيات كبيرة وفق المادة 110 من الدستور الإيراني مقارنة بصلاحيات رئيس الجمهورية. كما أن العلاقة القوية بين المرشد السابق، علي خامنئي، والحرس الثوري أعطته قدرة أكبر على المناورة عند تعامله مع القضايا الداخلية والخارجية. وبالتالي، ظلت القضايا الكبرى تحت إمرته رغم انفتاحه على الآراء الأخرى التي كانت ترده من الرئيس أو من المؤسسات الأخرى في النظام وعلى رأسهم المجلس الأعلى للأمن القومي.
مقاومة الانفتاح السياسي والثقافي والاجتماعي وعدم سعي النظام لتعديل طبيعة العلاقة بين مؤسساته أسهما في استمرار حالة من التشنج في الواقع السياسي الداخلي. لم تعرف إيران الاستقرار السياسي في بدايات الثورة وأثناء الحرب مع العراق. كان الأمر مفهوماً في ذلك الوقت نتيجةً لظروف الثورة والحرب. إلا أن حالة عدم الاستقرار استمرت في “الجمهورية الثانية”. فقد شهدت إيران منذ عام 1992 عدداً كبيراً من المظاهرات التي تأرجحت مطالبها بين الإصلاح السياسي في الدولة، وتحسين حالة الحريات العامة، والاعتراض على الظروف الاقتصادية.
يسهم العدد الكبير من الاحتجاجات وبمرور الوقت في تآكل شرعية أي نظام سياسي ويؤدي إلى تراكم الخبرة السلبية تجاهه في المجتمع. والنظام في إيران ليس استثناءً من هذه القاعدة. كانت السلطات في إيران قادرة على التعامل مع تلك الاحتجاجات وإيقافها، ولو باستخدام القوة، إلا أنها لم تتمكن من معالجة جذورها. وبالتالي طرأ تحول في الخطاب الذي كان يُستخدم في الاحتجاجات. فمن خطاب يدعو إلى إصلاح النظام، شهدت الدولة مؤخراً خطاباً يدعو إلى إسقاطه.
في الوقت ذاته، لا تنفصل هذه التطورات عن المعضلة الأخرى التي عاشتها إيران منذ قيام الثورة وهي عزلتها الدولية. بدأت هذه العزلة بعد الثورة مباشرة نتيجة احتلال السفارة الأمريكية، وفكرة تصدير الثورة، والحرب مع العراق. كما تعمقت مع العقوبات الاقتصادية التي فُرضت عليها في مراحل مختلفة وخصوصاً المتعلقة منها ببرنامج طهران النووي.
ما عقد المشكلة في إيران هو عدم قدرتها على إقناع خصومها الدوليين برغبة نظامها الإسلامي في التعايش مع المجتمع الدولي وعدم سعيه للحصول على القنبلة النووية. كما أن التركيبة المعقدة للنظام والأصوات المتشددة التي كانت تخرج من إيران عززت هذه الحالة. ويبدو أن الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد (2005 – 2013) أسهم إسهاماً كبيراً في تقوية هذه الصورة السلبية عن النظام من خلال خطابه السياسي. وصل نجاد إلى السلطة بنهج جديد يختلف عن رفسنجاني وخاتمي. كان نهجه قائماً بالدرجة الأولى على الصدام مع المجتمع الدولي. فقد دعا إلى محو إسرائيل من على الخريطة، وأنكر المحرقة اليهودية، واستخدم لغة خطابية صدامية مع الخارج.
لم يكن خطاب أحمدي نجاد بمعزل عن الحالة الفكرية والنفسية التي كانت سائدة عند طيف من أبناء الثورة والنظام، وخصوصاً لدى المحافظين المتشددين. يرى هؤلاء أن إيران محاربة من الجميع وأن هذه الحالة ليست بالجديدة، بل تعود إلى أيام الحرب مع العراق عندما قاتلت إيران لوحدها واعتمدت على نفسها في التصدي للهجمات العراقية. كما تعتقد هذه الفئة أن إيران وقعت منذ ذلك الوقت تحت ضغط دولي كبير ما هز ثقتها بالدول الأخرى. علاوة على ذلك، فالعقوبات التي فُرضت على إيران منذ عقود عمقت من حالة الشعور بالعزلة. فقد أوقعت العقوبات خسائر كبيرة في الاقتصاد الإيراني وأسهمت في تراجعه.
عندما نجح الرئيس حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية عام 2013 حاول تغيير هذا الشعور. فقد كان روحاني (2013 – 2021) امتدادا لفترة الرئيس السابق رفسنجاني في تركيزه على مسألة الانفتاح على العالم سياسياً واقتصادياً، وتصور أن إقامة علاقات جيدة مع المجتمع الدولي تسهم في إصلاح الوضع الاقتصادي في إيران مما يؤدي إلى تحسين الظروف المعيشية للمواطن الإيراني. لذلك، دخلت حكومته في مفاوضات مضنية مع المجتمع الدولي استطاعت من خلالها التوصل إلى الاتفاق النووي أو ما عُرف بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة” عام 2015. أسهم هذا الاتفاق في تقليل العقوبات على إيران وهو ما حسن من وضعها الاقتصادي بعض الشيء.
لم يثق المرشد الأعلى بالولايات المتحدة ولم ير جدوى من التفاوض معها بخصوص برنامج إيران النووي. إلا أنه، كما ذُكر سابقاً، كان منفتحاً على التوصيات التي كانت تقدم له حول قضايا مختلفة. شكك التيار المحافظ المتشدد أيضاً في أهمية التفاوض مع الحكومة الأمريكية. تعززت وتأكدت شكوك المرشد والمتشددين عند خروج الرئيس الأمريكي ترامب من الاتفاق عام 2018 وفرضه لعقوبات اقتصادية شديدة على إيران. بالتالي، لم يستطع الاتفاق النووي التخفيف من حدة الشعور بالعزلة لدى المتشددين، بل إن خطوة ترامب بالانسحاب منه قد قوّى ذلك الشعور. أسهم الانسحاب الأمريكي في تدهور الحالة الاقتصادية من جديد. فتراجعت قيمة العملة، وازداد التضخم، وبالتالي، ازدادت حالة التشكيك الشعبية في قدرة النظام على إدارة الأمور.
لم يكن خروج ترامب من الاتفاق هو الخطوة الأخيرة في تعميق شكوك المتشددين في جدوى التفاوض مع واشنطن، فقد كانت إيران منفتحة على التفاوض مع الولايات المتحدة أثناء فترة رئاسة إبراهيم رئيسي (2021 – 2024) وبعد انتخاب الرئيس الحالي، مسعود بزشكيان عام 2024. لم يسهم هذا الانفتاح في تقليل شكوك المتشددين، بل ازدادت في يونيو 2025 عندما شنت إسرائيل وبعد ذلك الولايات المتحدة غارات على إيران بدأت من خلالها ما سميت بحرب الاثني عشر يوماً. وقعت الهجمات قبل الجولة السادسة من المفاوضات بين طهران وواشنطن حول البرنامج النووي الإيراني.
استطاعت إيران أن تحافظ على وحدتها وعلى بقاء نظامها في حرب يونيو 2025. إلا أن وضعها الاقتصادي أصبح أكثر تأزما بعد انهيار عملتها بشكل كبير في يناير 2026. أسهم هذا الانهيار في خروج مظاهرات محدودة من قبل التجار. استتبع ذلك مشاركة فئات أخرى فيها. تعقدت المشكلة بعد أن دعا ابن الشاه السابق، رضا بهلوي، الإيرانيين للخروج ضد النظام، وبعد أن وجه ترامب لهم نفس الدعوة مؤكداً وقوفه معهم للإطاحة بالنظام الإيراني. نتيجة لذلك، كانت هذه الاحتجاجات هي الأعنف في تاريخ “الجمهورية الثانية”. ولا يعني ذلك بطبيعة الحال معارضة جميع أفراد المجتمع للسلطات الإيرانية، فهناك مجموعة ليست بالقليلة تدعم بقاء واستمرار النظام الإسلامي، ولكن عدم استجابة الدولة للمطالب الشعبية أسهم تدريجيًا في إضعافه وتآكل شرعيته.
عندما استطاعت السلطات إنهاء الاضطرابات في الشارع، أصبحت منفتحة على التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية من جديد. ويبدو أن الحالة الاقتصادية السيئة وما نتج عن الاحتجاجات دفع النظام الإيراني، وعلى رأسهم المرشد، تجاه الدخول في مفاوضات جديدة مع واشنطن في فبراير 2026. ورغم هذه الخطوة الإيرانية، إلا أن النظام دخل في أتون أزمة جديدة بعد أن شنت الحكومتان الأمريكية والإسرائيلية حربهما الثانية على إيران والتي نتج عنها مقتل المرشد في اليوم الأول من قيام الحرب.
مجمل القول، أن الظروف الحالية التي تواجهها إيران تعكس الضغط الذي يتعرض له نظامها الحاكم من جهتين: الأولى هي الضغوط الداخلية – الشعبية التي تدعو إلى إصلاح النظام السياسي، والانفتاح على المجتمع الدولي، والثانية هي الضغوط الخارجية – الدولية التي لا تثق بأية بادرة حسن نية من إيران وتعتبر نظامها خارجاً على القانون الدولي، ولا يتمتع بالشرعية الداخلية، وقابل للسقوط إن تم شن حملة عسكريه ضده.
أمام هذا الضغط المزدوج، يجد المتشددون أنفسهم في موضع لا رجعة فيه. فبقاء واستمرار النظام أصبح من أهم الواجبات التي يرونها لأنفسهم. لذلك، فهم يهدفون، وعلى رأسهم قيادات الحرس الثوري، إلى الخروج من هذه الحرب بتحقيق هدفين رئيسين: بقاء واستمرار النظام، والحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية. ولكي يصلوا إلى هذين الهدفين، فلن يتوانوا عن استخدام كافة الأساليب المتاحة أمامهم، بما فيها إشعال المنطقة برمتها. يعمل الحرس الثوري في نفس الوقت على اختيار المرشد الثالث للثورة. من المسلّم به، أن مجلس الخبراء هو المكلف باختيار المرشد الجديد، إلا أنه من المستبعد أن يتمكن، في ظل الأوضاع الحالية، أن يخرج عن خيار يرغب فيه الحرس الثوري. لذلك، سيكون للحرس الثوري دوراً فاعلاً في اختيار مرشداً ثالثاً للجمهورية الإسلامية يشاطرهم الهدفين السابقين ويعزز من دورهم في المجتمع وفي الحياة السياسية في إيران عند ولادة “الجمهورية الثالثة”.
This post has already been read 19 times!

