أكرم الله العرب بحمل رسالة الإسلام وأنزل كتابه الكريم بلسان عربي مبين، وأعز الله العرب ليرفعهم من جاهلية وضعف وهوان بين الأمم ليكونوا في فترة من الزمن رواد حضارة وملك كبير على الأرض، ثم جرت سنة الله في أرضه من تداول في الصعود والهبوط للأمم والحضارات، فتراجعت أمة العرب وتقهقرت إلى الوراء بسبب تركهم أسباب النصر والعلو من أصالة دينية وقيم أصيلة وأسباب للنهوض والتقدم.
رافق العرب في تقهقرهم مجموعة من الظواهر والعوامل التي أسهمت في حالة الضعف العام الذي تعيشه الأمة العربية، ولسنا في محل ذكر كافة تلك العوامل، وإنما نشير إلى عامل من تلك العوامل المتمثل في نمو حالة العاطفة الجياشة التي تغلب العقل والفكر عند بحث وتقييم الوقائع والنوازل، فالعرب بعاطفة جياشة وبرغبة بالاستقلال وبغياب التفكير الجاد وعدم توفر القراءة الصحيحة لموازين القوى العالمية، انساقوا وراء الحلفاء الغربيون في الحربين العالميتين الأولى الثانية للوقوف ضد الخلافة العثمانية، فساهموا بشكل أو بآخر في إسقاط الدولة العثمانية وإضعاف العمق العربي، وما جر ذلك عليهم من انقسام وضعف نشهده إلى يومنا هذا، ويكرر التاريخ نفسه حين إنساق العرب وراء شعارات لإنهاء دولة الكيان الصهيوني في الستينات من القرن الماضي دون الإعداد المسبق والأخذ بأسباب القوة، وأيضا عدم فهم موازين القوى العالمية التي تتربص بهم وبدولهم، فأدى ذلك إلى هزيمتهم وانتكاستهم التي مازلنا نتجرع مذاقها المؤلم، وفي التسعينيات من القرن الماضي حركتهم عاطفة جياشة غير منضبطة بتأييد بعضهم لغزو بلد عربي لبلد عربي آخر، أُرهقت فيه الدماء العربية وانتهكت فيه المحارم وتم تجاوز كافة المواثيق والعهود الدينية والعربية والدولية، وساهم هذا الغزو العراقي الغاشم على الكويت في عام 1990 وما نتج عنه من تداعيات في تمزق النسيج العربي، وانعكس سلباً على مصير ومستقبل القضية الفلسطينية.
أيها العرب.. التاريخ يعيد نفسه ولو بأشكال وصور مختلفة، فما نشهده اليوم في ظل حرب قوامها وأطرافها المشروع الصهيوني الأمريكي من جانب، والمشروع الإيراني من جانب آخر، نشهد تعالي أصوات عربية تصطف إلى جانبي هذا الصراع دون وعي أو فهم لخطورة كل من المشروعين على الأمة العربية وعلى منطقة الشرق الأوسط ككل.
كل ذي عقل ولب يعرف مدى خطورة المشروع الصهيوني المتدثر بالغطاء الأمريكي وبعض دول الغرب، والذي يهدف من تحركاته السابقة والحالية والمستقبلية إلى تمزيق الأمة العربية وفرض هيمنته وسلطته على دول وشعوب المنطقة وفق رؤيته الدينية المتطرفة، ومسعاه للسيطرة على ثروات ومصالح دول وشعوب المنطقة، مع ما آلت إليه الحرب القائمة من قتل للأبرياء والمدنيين وتدمير للمرافق المدنية في إيران ولبنان وعموم المنطقة العربية، وذي العقل واللب يدرك أيضاً بالمقابل خطورة المشروع الإيراني الديني المتطرف الذي شهدنا عبثه في سوريا والعراق ولبنان واليمن وغيرها، وسوء استراتيجيته لفرض أجندته المصلحية الخاصة على المنطقة العربية دون مراعاة لدولها وشعوبها، ولذا نحن على إدراك تام وعميق بخطورة كل من المشروعين على المنطقة العربية، وندرك تماماً أن الحرب المستعرة في منطقة الخليج العربي والمنطقة العربية لا صالح من وراءها للأمة العربية من أي من الفريقين، فهو صراع مشاريع يسعى كل واحد منهم للاستفراد بالمنطقة والنيل منها على حساب دولها وشعوبها.
يا أمة العرب.. الحرب بين أمريكا والصهاينة مع إيران قامت دون دور أو مشاركة أو رغبة من الغالبية العظمى من الدول والشعوب العربية، فالمنطقة العربية وبالأخص دول الخليج العربي تعرف مرارة الحروب ومدى جسامتها وخطورتها على أمن المنطقة واستقرارها، ومع ذلك جرّت أطراف الصراع في هذه الحرب دول الخليج العربي تحديداً إلى حرب لا ناقة لهم بها ولا جمل، والأشد من ذلك ضرراً وسوءًا أن يستغل طرفي الحرب إقحام دول الخليج العربي ودول المنطقة العربية في ويلات الحرب القائمة والمستعرة، فدول المنطقة الخليجية سعت جاهدة للحيلولة دون قيام الحرب، وأكدت مراراً عدم السماح لقيام أي طرف باستخدام أراضيها أو القواعد الأجنبية فيها لضرب إيران، وعلى الرغم من ذلك قامت إيران وبسبق إصرار وترصد بضرب دول منطقة الخليج العربي، ولم تكتفي إيران بضرب القواعد الأمريكية على حد زعمها بل صرح مسؤولوها والقائمون على شؤون الحرب لديها بأنهم سيستهدفون المرافق المدنية والمنشآت الحيوية كالنفط والماء والكهرباء والمنافذ الجوية، ولم يكتفوا بالتصريح، بل قاموا فعلياً وبسوء نية بمهاجمة وتدمير مرافق ومنشآت مدنية لمعظم دول الخليج العربي، مما أدى إلى استشهاد عدد من رجال الدفاع والأمن والمدنيين من المواطنين والمقيمين ممن لا دخل لهم أو دور في هذه الحرب.
فعلى سبيل المثال، ما هو ذنب دولة الكويت وشعبها في تلك الحرب، حيث كانت ومازالت تسعى للوحدة العربية وتقدم أموالها دون منة لدعم الدول العربية في مجالات التنمية العامة المختلفة، وما ذنب دولة الكويت وشعبها التي أُطلق عليها عبر منظمة الأمم المتحدة دولة الإنسانية لدورها الكبير في العمل الخيري والإنساني عالمياً، وما ذنب دولة الكويت وشعبها المعروف دورهم ودعمهم الكبير للقضية الفلسطينية وبالأخص غزة.
وعلى الجانب الآخر، ما ذنب المملكة العربية السعودية التي تجهر من خلال رجالاتها برفض المشروع الصهيوني الأمريكي، وما ذنب دولة قطر الراعية للقضية والمقاومة الفلسطينية، وما ذنب سلطنة عمان التي قادت المفاوضات بحياد بين أطراف الصراع، والأمثلة أكثر من أن تحصى لأدوار قامت بها دول الخليج العربي سياسياً وميدانياً ودولياً، للحيلولة دون وقوع الحرب وتضرر دول وشعوب المنطقة، فهل تستحق دول الخليج العربي وشعوبها أن يدفعوا ثمناً باهظاً نتيجة لسعيهم لإيقاف الحرب قبل وقوعها؟!
أيها العرب.. في الوقت الذي نشهد مواقف متباينة عربية من النخب والجماهير العربية تجاه الحرب، نجد من بينهم أطراف متفهمة وواعية لمسار الأحداث، وأطراف مازالت تبحث عن الموقف الصحيح، فإنه من المؤلم خروج بعض النخب وبعض ممثلي التيارات ذات التوجهات الإسلامية والقومية والعلمانية العربية بخطابات بشأن الحرب الدائرة بعيدة كل البعد عن الحكمة والتوازن والقراءة الصحيحة للأحداث أو استشراف المآلات، خطابات للبعض مليئة بروح عاطفية بعيداً عن الواقع والمصلحة العامة، والغالب في تلك الخطابات إدانة للهجوم الأمريكي الصهيوني وهذا أمر متفهم، ولكن بالمقابل، احتوت بعض تلك الخطابات على دعم للموقف الإيراني في هذه الحرب دون الإشارة تماماً أو الإشارة باستحياء لما قامت به إيران من اعتداء سافر لدول الجوار وإلحاق الأضرار بالأنفس والممتلكات دون توجيه أية إدانة مستحقة للاعتداء الإيراني على دول الخليج العربي، ويعد ذلك موقف سلبي غير متوازن وبعيد عن أحكام الشرع الحنيف، التي تدعو على عدم البغي والاعتداء على الآمنين، وتدعو إلى احترام المواثيق والعهود القائمة بين إيران ودول الخليج العربي، التي تجاوزتها باعتداءاتها المتكررة، ناهيك عن انتهاك مبادئ العدالة العامة.
يا أمة العرب ونخبها.. لا تعيدوا وتكرروا أخطاء الماضي بالانجرار إلى أهداف أعداء الأمة العربية ومكائدهم، ولا يكن لصوتكم أو دعمكم دور في تبرير إسالة دماء بريئة من أبناء دول الخليج العربي، أو الإضرار بحياتهم المسالمة، أو ترويع الأبرياء الآمنين، ونسألكم بالله في أيام رمضان المبارك أن تعيدوا حساباتكم بالوقوف مع الحق والعدل ولو قل سالكوه، فالمشروع وأفعال الصهاينة والأمريكان ظلم كبير في حق الأمة العربية، والمشروع الإيراني وأفعاله في حق الدول العربية خطيئة وظلم، واعتداء إيران ومهاجمتها لدول الخليج العربي في الحرب القائمة لا تقل خطيئة عما سبق.
اللهم أَرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه
د. محمد حسين الدلال
This post has already been read 159 times!

