أثناء حضوري معرض الدوحة الدولي للكتاب، شاركت في ندوة أقامتها وزارة الثقافة القطرية بعنوان: “التحديات الثقافية في سوريا بعد التحرير”، قدّمها معالي وزير الثقافة في الجمهورية العربية السورية السيد محمد ياسين صالح.
وما لفت انتباهي في الندوة أن الحديث لم يكن عن الكتب أو القراءة باعتبارها أنشطة ثقافية تقليدية، وإنما عن مفهوم أعمق يتعلق بالأمن الثقافي للمجتمعات، ودور الثقافة في بناء الإنسان وصناعة الوعي التي تنهض به الدول، كما ذكر الفيلسوف ويل كيمليكا: “الحق في الثقافة من حقوق الإنسان الأساسية ولا وجود لأية حريات من دون ثقافة، فالبشر مخلوقات ثقافية لا يمكن أن تعيش من دون إحساس بالانتماء والارتباط العميقين بالثقافة التي ينتسبون إليها”.
وقد تناول الوزير مفهوم الثقافة كمنظومة متكاملة تشكل سلوك الإنسان وقيمه وأنماط تفكيره، وهو طرح يقترب من رؤية المفكر مالك بن نبي، الذي اعتبر أن الثقافة هي البيئة التي يتشكل داخلها الإنسان والمجتمع.
وتكشف هذه الرؤية أن نجاح المؤسسات الثقافية يرتبط بوجود قيادات تجمع بين الثقافة والإدارة، وتفهم التحولات المجتمعية، وقادرة على تحويل الثقافة من نشاط معرفي إلى مشروع لصناعة الوعي المجتمعي.
المؤسسات الثقافية لم تعد مؤسسات معنية بالنشر أو الفعاليات فقط، وإنما أصبحت جزءاً من منظومة صناعة الوعي والأمن الثقافي والقوة الناعمة. وهذا الدور يحتاج إلى قيادة تجمع بين الفكر والإدارة، وبين الثقافة والقدرة على تحويل الأفكار إلى برامج ومشروعات وأثر مجتمعي مستدام.
ولعل أهم التحديات التي واجهت عدداً من المؤسسات الثقافية العربية خلال العقود الماضية، هو التعامل مع الثقافة على أنها نشاطاً موسمياً في قص شريط افتتاح معرض الكتاب أو عملاً إجرائياً روتينياً، أكثر من كونها مشروعاً لبناء الإنسان وصناعة الوعي. لذلك نجحت بعض المؤسسات في تنظيم الفعاليات، لكنها لم تنجح بالقدر ذاته في صناعة أثر ثقافي ممتد أو بناء حالة فكرية مؤثرة في المجتمع.
وتبرز أهمية القيادات التي تجمع بين الثقافة والإدارة، وتفهم التحولات المجتمعية، لأن نجاح المؤسسة الثقافية لا يقاس بعدد الفعاليات والكتب فحسب، وإنما بقدرتها على صناعة الوعي وتحويل الثقافة إلى قوة ناعمة وأثر في المجتمعات.
من خلال الطرح الذي قُدِّم في الندوة، بدا أن الرؤية الثقافية الجديدة في سوريا تنطلق من الإنسان على أنه محور التنمية والتحول، وأن بناء الثقافة يتوازى مع بناء الدولة واستعادة فاعلية المجتمع. وهي رؤية تعكس فهماً لدور الثقافة باعتبارها مشروعاً لصناعة الوعي وإعادة بناء الإنسان، أكثر من كونها نشاطاً معرفياً أو مؤسسياً منفصلاً، وهو ما ظهر بوضوح في طرح وزير الثقافة السوري الشاب المثقف محمد ياسين صالح.
وخلال أقل من عامين، بدأت سوريا تستعيد حضورها الثقافي الذي عُرفت به تاريخياً، عبر رؤية تضع بناء الإنسان والوعي في قلب مشروعها الوطني، وتتعامل مع الثقافة باعتبارها أحد محركات النهوض وإعادة بناء المجتمع في مرحلة التحولات، ومن أبرز الأنشطة الثقافية التي عبرت عن سوريا الجديدة في معرض دمشق الدولي للكتاب، هو شعار المعرض “تاريخ نكتبه.. تاريخ نقرأه”، وهو دلالة على صناعة التاريخ من جديد في سوريا.
في مشروع “إدارة التحول” الذي نعمل عليه في مركز طروس، يظهر أن نجاح المؤسسات لا يرتبط فقط بجودة الفكرة، وإنما بقدرتها على تحويل الرؤية إلى واقع، وإدارة التحولات الاجتماعية والثقافية التي تمر بها المجتمعات.
هذه الفكرة أعادت إلى الأذهان نموذج الدكتور غازي القصيبي، الذي جمع بين الثقافة والإدارة، وبين الفكر والممارسة، فكان مثالاً للمثقف الذي استطاع أن يقود مؤسسة، والإداري الذي لم يفقد عمقه الفكري.
وفي زمن التحولات الكبرى، تزداد الحاجة إلى “الوزير المثقف”، لأنه يدرك أن بناء الوعي لا يقل أهمية عن بناء المؤسسات، وأن الثقافة ليست قطاعاً منفصلاً عن الدولة، إنما أحد أهم أدوات نهضتها واستقرارها.
محمد خليف الثنيان
مؤسس ورئيس مركز طروس
This post has already been read 22 times!

