تكشف دراسة الدول المركزية في الشرق الأوسط وامتداداتها التاريخية أن الدول لا تمر بمراحلها الكبرى نتيجة تغيّر الحكام وحده، وإنما عندما يطرأ تحول جوهري على طبيعة إدارة الدولة ووظائفها وأدواتها وموقعها في محيطها الإقليمي والدولي.
وأثناء دراستنا للدول المركزية في الشرق الأوسط، ظهر لنا أهمية هذه القراءات في أنها تميّز بين استمرار الدولة في صورتها القائمة، واستحضار مراحلها التاريخية، والانتقال إلى مرحلة جديدة تتغيّر فيها إدارة الدولة وأدوات القوة وأولويات السياسة.
الدولة السعودية: ثلاث مراحل تاريخية
وعند دراسة تاريخ الدولة السعودية في السلسلة الثانية من دراسات الشرق الأوسط، كما طرحناها في كتاب «استثنائية عبدالعزيز»، الذي يقدم قراءة تحليلية جديدة عن تاريخ الدولة السعودية، نجد أن مسارها التاريخي يكشف عن ثلاث مراحل كبرى سبقت مرحلة التحول.

المرحلة التاريخية الأولى: التأسيس 1727م
بدأت هذه المرحلة مع الإمام محمد بن سعود وتأسيس الدولة السعودية في الدرعية، بما مثّله ذلك من نشوء مركز سياسي أخذ يتوسع نفوذه وتتطور قدرته على الحكم وإدارة المجال الذي يخضع له. وقد أرست هذه المرحلة الأساس التاريخي للمشروع السياسي السعودي، الذي امتد أثره إلى المراحل التاريخية اللاحقة.
المرحلة التاريخية الثانية: استعادة الدولة 1824م
بدأت مع الإمام تركي بن عبدالله، الذي استعاد الرياض وأعاد بناء الحكم السعودي بعد سقوط الدولة السعودية الأولى. وتمثل هذه المرحلة استمرار المشروع السياسي السعودي، واستعادة مركزه وقدرته على الحكم، في ظروف إقليمية مختلفة عن ظروف التأسيس الأول.
المرحلة التاريخية الثالثة: استئناف التاريخ 1902م
بدأت مع الملك عبدالعزيز باسترداد الرياض سنة 1902م، وانطلقت منها عملية طويلة لإعادة بناء الدولة وتوحيد أقاليمها. وقد وصلت هذه المرحلة إلى الاكتمال التاريخي للوحدة السياسية سنة 1932م، بإعلان توحيد البلاد باسم المملكة العربية السعودية.
ولا يعني الاكتمال التاريخي للوحدة السياسية توقف تطور الدولة؛ فقد استمرت بعد ذلك عمليات بناء المؤسسات وتطوير الإدارة والاقتصاد والخدمات العامة، وتوسيع حضور المملكة الإقليمي والدولي.
ومن خلال هذه النظرة السياسية للمراحل الثلاث التاريخية، على اختلاف ظروفها التاريخية، تكشف عن امتداد المشروع السياسي للدولة لسعودية عبر التأسيس، واستعادة الدولة، واستئناف التاريخ وصولًا إلى اكتمال الوحدة السياسية.
المرحلة التاريخية الرابعة: مرحلة التحول
المرحلة التاريخية هي نمط تاريخي جديد في إدارة الدولة، يختلف في خصائصه الأساسية عن الأنماط التي سادت في المراحل التي سبقته. ومن خلال هذا التعريف، فإن الانتقال إلى مرحلة تاريخية جديدة لا يشترط قيام دولة جديدة أو تغيير اسمها أو إعادة تأسيس نظامها السياسي.
فقد تدخل الدولة مرحلة تاريخية جديدة، متصلة بالمراحل التي سبقتها، عندما تتحول بصورة عميقة وظائف مؤسساتها، ومصادر قوتها، وعلاقتها بالمجتمع، وطبيعة تأثيرها الإقليمي والعالمي. ومن هذا المنطلق، نرى أن التطورات التي شهدتها المملكة العربية السعودية خلال السنوات الماضية تمثل إرهاصات لمرحلة تاريخية رابعة، أخذت ملامحها تتشكل تدريجيًا، ثم اتسع نطاقها وتسارعت وتيرتها خلال السنوات الأخيرة، وبرزت بصورة أوضح منذ عام 2023م.
وهذه المرحلة هي مرحلة التحول، ولا نربط بدايتها بإعلان رؤية السعودية 2030 وحده، رغم أهمية الرؤية في تنظيم التحولات وتسريعها. فالتحول المقصود لا يقتصر على تنويع الاقتصاد أو تنفيذ المشروعات الكبرى، وإنما يشمل تغيّرًا أوسع في طريقة إدارة الدولة، وبناء قدراتها، وتنظيم مؤسساتها، وتحديد أولوياتها الاستراتيجية وتأثيراتها.
وقد اتضحت ملامح هذه المرحلة بصورة أكبر في الخطاب الملكي السنوي الذي ألقاه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أمام مجلس الشورى في 30 سبتمبر 2026م.
فقد جمع الخطاب بين طرح التحولات الاقتصادية والمؤسسية، وقياس أداء رؤية السعودية 2030، وتطوير القدرات الوطنية، وتأكيد الدور السعودي في الأمن والسياسية الإقليمية والدولية. ويُعد التحول في التأثير الإقليمي والدولي أحد أبرز ملامح هذه المرحلة؛ لأنه يكشف عن قدرة الدولة على توظيف إمكاناتها وعلاقاتها وشراكاتها في التعامل مع القضايا التي تتجاوز حدودها الوطنية.
ملامح المرحلة التاريخية الرابعة
أولًا: التحول في التأثير الإقليمي والدولي
يُقاس الحضور الدولي للدولة بقدرتها على المبادرة، وبناء الشراكات، والمساهمة في إدارة الأزمات، وصياغة التفاهمات الإقليمية والدولية. ومن خلال هذا البُعد، فإن عدد من التحركات السعودية في مرحلة التحول التي تمر بها المنطقة عبارة عن مؤشرات على تطور أدوات التأثير السياسي والاستراتيجي للمملكة.
حلف مكة الدفاعي:
يمثل حلف مكة الدفاعي بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية أحد أبرز التطورات في بناء الشراكات الدفاعية الإقليمية. ففي 7 أغسطس 2026م، عُقدت قمة مكة المكرمة للدفاع المشترك، بمشاركة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف.
وشهدت القمة توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، التي نصت على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا، وعلى تطوير أوجه التعاون الدفاعي بينها. وتجاوز هذا التعاون مستوى الإعلان السياسي، إذ اجتمعت اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية للاتفاق في إسطنبول بتاريخ 31 أغسطس 2026م، بمشاركة مسؤولين سياسيين وعسكريين من الدول الثلاث.
وتكمن أهمية هذا الحلف في أنه يعكس توجهًا نحو بناء ترتيبات أمنية ودفاعية مشتركة بين قوى إقليمية تمتلك مواقع جغرافية وقدرات عسكرية ومصالح استراتيجية مختلفة. ولا تنحصر دلالته في التعامل مع تهديد أمني قائم كـ هجمات ميليشيات الحوثي أو الحرب الإيرانية، وإنما تمتد إلى محاولة تطوير أدوات الردع المشترك والتنسيق السياسي والعسكري، وحاجز أمام أي تحولات مستقبلية في المنطقة.

الدور السعودي في اليمن:
يمثل أمن اليمن واستقراره ووحدة أراضيه أحد الملفات الاستراتيجية المهمة في السياسة السعودية؛ لما يرتبط به من اعتبارات جغرافية سياسية وأمنية واقتصادية، وما يترتب على استمرار الصراع والتشظي من آثار على أمن المنطقة بأكملها. وقد أكدت المملكة استمرار دعمها للحكومة اليمنية من خلال تحالف دعم الشرعية، والعمل على استعادة الاستقرار وتمكين مؤسسات الدولة من ممارسة مسؤولياتها.
وفي خطابه أمام مجلس الشورى في سبتمبر 2026م، أكد ولي العهد دعم المملكة للحكومة اليمنية وبسط سلطتها على كامل البلاد، والتصدي لاعتداءات الميليشيات الحوثية. وظهرت أهمية هذا الملف في أن استقرار اليمن لا يمثل قضية منفصلة عن الأمن السعودي، وإنما يرتبط باستقرار شبه الجزيرة العربية وأمن البحر الأحمر والممرات البحرية. لذلك يعتبر الدور السعودي في اليمن ضمن دراسة التحول في أدوات التأثير الإقليمي، من خلال الجمع بين الاعتبارات الأمنية والسياسية والدبلوماسية.

الدور السعودي في التحول السوري:
برز الدور السعودي في سوريا بصورة واضحة بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024م، وبدء مرحلة سياسية جديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. وقد اتخذ هذا الدور بُعدًا دوليًا مهمًا خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرياض في مايو 2025م، عندما أعلن عزمه رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا، مشيرًا إلى دور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الدفع نحو هذا القرار. وفي 14 مايو 2025م، استضافت الرياض لقاءً جمع الرئيس الأمريكي بالرئيس السوري أحمد الشرع، بحضور ولي العهد السعودي. وقد أشاد الرئيس السوري أحمد الشرع بالدور السعودي في دعم بلاده والجهود الرامية إلى رفع العقوبات عنها.
وتكشف هذه التطورات عن أحد أوجه التأثير السعودي في المرحلة التاريخية الرابعة؛ إذ أسهمت الدبلوماسية السعودية في تهيئة الظروف السياسية والدولية لدعم سوريا وإعادة انخراطها في علاقاتها الإقليمية والدولية. ويمثل هذا الدور في -توظيف علاقاتها الدولية لدعم مسار سياسي واقتصادي جديد في دولة عربية- نموذجًا للتأثير الدبلوماسي الذي يتجاوز حدود العلاقات الثنائية إلى المساهمة في معالجة قضية إقليمية تتداخل فيها مصالح قوى دولية متعددة.

دعم وحدة السودان واستقراره:
يمثل الموقف السعودي من الأزمة السودانية مظهرًا آخر من مظاهر الدور الإقليمي للمملكة، من خلال التأكيد على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، ورفض الإجراءات التي قد تؤدي إلى تقسيمه أو إنشاء سلطات موازية لمؤسسات الدولة.
وقد أكدت وزارة الخارجية السعودية، في بيان صدر بتاريخ 28 فبراير 2025م، رفض المملكة أي خطوات غير شرعية خارج إطار المؤسسات الرسمية السودانية قد تمس وحدة البلاد، بما في ذلك الدعوة إلى تشكيل حكومة موازية. كما شاركت المملكة في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وقف الحرب، ومن أبرزها مسار جدة الذي انطلق سنة 2023م بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي سبتمبر 2025م، أكد بيان مشترك للسعودية ومصر والولايات المتحدة أن سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه تمثل مبادئ أساسية لأي تسوية سياسية، مع الدعوة إلى وقف الحرب وحماية المدنيين.
وجدد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في خطابه أمام مجلس الشورى في سبتمبر 2026م، موقف المملكة الداعم لوحدة السودان واستقراره والمحافظة على مؤسساته. وتتجاوز أهمية هذا الموقف حدود الأزمة السودانية نفسها؛ إذ يرتبط استقرار السودان بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية والمجال الاستراتيجي المحيط بالمملكة.
ونقرأ الدور السعودي في السودان ضمن التحول في السياسة الإقليمية للمملكة، من خلال توظيف الدبلوماسية والشراكات الدولية لدعم وحدة الدول واستقرارها، والحد من امتداد أزماتها إلى المحيط الإقليمي.
القضية الفلسطينية وحل الدولتين:
تُعد القضية الفلسطينية من القضايا المركزية في السياسة الخارجية السعودية. وقد عملت المملكة، بالتعاون مع فرنسا وشركاء دوليين، على دعم الجهود السياسية إلى تنفيذ حل الدولتين، وحشد التأييد الدولي لإقامة الدولة الفلسطينية وفق المرجعيات الدولية، ويمثل هذا التحرك مثالًا على توظيف العمل الدبلوماسي والسياسي متعدد الأطراف في قضية إقليمية ذات أبعاد دولية واسعة.
ويتضح أهمية هذا التحرك، في انتقال الجهد السياسي من إعلان المواقف إلى تنظيم المبادرات وبناء التأييد الدولي لها، بما يتيح دراسة مدى قدرة الدبلوماسية السعودية على التأثير في مسارات التسوية السياسية. ورأينا التحركات الأوروبية بريطانيا وفرنسا واسبانيا وإيطاليا اتجاه القضية، ومقاطعة 77 دولة لخطاب نتنياهو في الأمم المتحدة.
وفي خطابه أمام مجلس الشورى في سبتمبر 2026م، جدد ولي العهد تأكيد التزام المملكة بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، بما في ذلك إقامة دولته المستقلة وفق المرجعيات الدولية.
وتكشف هذه الملفات مجتمعة عن اتساع مجالات العمل الدبلوماسي السعودي، وتنوع الأدوات المستخدمة في التعامل مع الأزمات الإقليمية. فإن قياس التأثير لا يقتصر على عدد المبادرات أو الاتفاقات؛ بل يتطلب دراسة ما أحدثته من نتائج فعلية في القرارات السياسية، والعلاقات الدولية، ومسارات الأزمات.
ثانيًا: التحول في إدارة الدولة ومؤسساتها
من أبرز ملامح المرحلة التاريخية الرابعة الاتجاه إلى تطوير الإدارة الحكومية، ورفع كفاءة المؤسسات، وتوسيع استخدام التقنية، وربط الأداء بالأهداف والنتائج. ويكتسب هذا التحول أهميته من انتقال الاهتمام من مجرد إنشاء المؤسسات وتوسيع اختصاصاتها إلى تطوير قدرتها على الإنجاز والتنسيق والمساءلة.
ومن أبرز مظاهر هذا الاتجاه الانتقال إلى منظومة مؤسسية تربط الخطط والاستراتيجيات بمؤشرات أداء قابلة للقياس، بما يتيح متابعة الإنجاز، وتقييم النتائج، وتحديد مدى التقدم نحو المستهدفات الوطنية. وقد أشار ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في الخطاب الملكي السنوي الذي ألقاه أمام مجلس الشورى في 30 سبتمبر 2026م، إلى أن مؤشرات الأداء لبرامج واستراتيجيات رؤية السعودية 2030 حققت 93% من مستهدفاتها خلال السنوات العشر الماضية.
كما أوضح أن الصادرات غير النفطية سجلت نموًا بنسبة 155% مقارنة بعام 2016م، وأن مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد ارتفعت إلى 51%، إلى جانب تقدم المملكة في مؤشرات الجاهزية الرقمية والأمن السيبراني ونضج الحكومات الرقمية.
ولا تعني نسبة تحقيق المستهدفات اكتمال التحول التاريخي؛ فهي مؤشر على تقدم برامج واستراتيجيات محددة، بينما يتطلب الحكم على اكتمال المرحلة دراسة استدامة النتائج وأثرها في مؤسسات الدولة والمجتمع. وبذلك يصبح التحول في طريقة إدارة الدولة جزءًا من التحول التاريخي نفسه، لا مجرد وسيلة لتنفيذ مشروعاته.
ثالثًا: التحول المجتمعي
يمثل تعزيز الانضباط المؤسسي والالتزام بالقانون أحد المعايير المهمة لقياس عمق التحول المجتمعي. فالدولة الحديثة لا تعتمد في فاعليتها على القرارات وحدها، وإنما على وضوح القواعد المنظمة للعمل، وانتظام تطبيقها، وإمكان مساءلة المخالفين، واستقرار الإجراءات التي تحكم العلاقة بين المؤسسات والأفراد.
ولا يقتصر هذا الجانب على أداء الجهات الحكومية، وإنما يمتد إلى مدى التزام أفراد المجتمع بالأنظمة في ممارساتهم اليومية، بدءًا من أنظمة المرور، ووصولًا إلى الالتزامات المهنية والتجارية والمدنية.
دراسة التحول المجتمعي لا تقتصر على التغير في أنماط الحياة، وإنما تشمل مدى تحول الالتزام بالأنظمة إلى ممارسة مستقرة في علاقة الفرد بالمجتمع والدولة.
تنمية رأس المال البشري
يشمل التحول المجتمعي تطوير التعليم والتدريب والمهارات، وتوسيع مشاركة المواطنين في النشاط الاقتصادي، وتعزيز قدرة المجتمع على الاستجابة للتحولات التقنية والإنتاجية. وقياس التحول المجتمعي ومدى التزامه بالتغييرات التي تعيشها الدولة.
وقد أكد ولي العهد، في خطابه أمام مجلس الشورى في سبتمبر 2026م، استمرار الاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز فرص دخول المواطنين إلى سوق العمل، ورفع قدرتهم على المنافسة والتميز. فبناء رأس المال البشري ليس جانبًا اجتماعيًا منفصلًا عن قوة الدولة؛ وإنما هو أحد مصادر قدرتها على الاستمرار والمنافسة.
وتبرز هنا العلاقة بين التحول المؤسسي والتحول المجتمعي؛ إذ إن تطوير مؤسسات الدولة لا يحقق أثره الكامل دون مجتمع يمتلك المهارات والقدرة على التعامل مع متطلبات مرحلة التحول.
رابعًا: التحول في القدرات الدفاعية
تظهر ملامح المرحلة التاريخية الرابعة في تطوير القدرات الدفاعية للمملكة، وتوطين الصناعات العسكرية، وبناء قاعدة صناعية وتقنية تسهم في تعزيز جاهزيتها وقدرتها الاستراتيجية. ولا يقتصر هذا التحول على امتلاك منظومات تسليح متقدمة، وإنما يتجه إلى بناء القدرة الوطنية على تصنيع المعدات العسكرية وصيانتها وتطويرها، ونقل التقنية، وتأهيل الكفاءات السعودية للعمل في الصناعات الدفاعية.
وقد مثّل إنشاء الهيئة العامة للصناعات العسكرية سنة 2017م خطوة مؤسسية في تنظيم هذا القطاع وتطويره، وربط مشروعاته بأهداف وطنية قابلة للقياس. وبحسب البيانات الرسمية للهيئة، بلغت نسبة توطين الإنفاق العسكري في المملكة 24.89% بنهاية عام 2024م، في إطار السعي إلى تجاوز نسبة 50% بحلول عام 2030م.
كما شهد القطاع توسعًا في الشراكات الصناعية الدولية الهادفة إلى نقل التقنية وتوطين التصنيع، ومن ذلك الاتفاقات التي وقعتها الشركة السعودية للصناعات العسكرية «SAMI» مع شركات تركية في يوليو 2025م، لتوطين تصنيع المركبات العسكرية المدرعة والأبراج القتالية والأنظمة المرتبطة بها. وتكشف هذه التطورات عن انتقال تدريجي في بناء القوة الدفاعية السعودية؛ من التركيز على اقتناء المنظومات العسكرية إلى تطوير قاعدة صناعية وطنية قادرة على المشاركة في إنتاجها وصيانتها وتطويرها.
التحول في القدرات الدفاعية يدخل ضمن مصادر القوة الاستراتيجية للدولة وهو أحد المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس عمق المرحلة التاريخية الرابعة، ومدى انتقال المملكة من استيراد أدوات القوة إلى بناء جزء متزايد منها داخل الدولة.

من إرهاصات التحول إلى المرحلة التاريخية الرابعة
إن التحولات الكبرى لا تبدأ دائمًا بحدث واحد يمكن عزله عن سياقه التاريخي؛ فقد تتراكم مقدماتها خلال سنوات من العمل، ثم تصل إلى مرحلة تتغيّر فيها طريقة عمل الدولة على نطاق واسع.
وتتضح مرحلة التحول السعودي عبر مستويين مترابطين:
الأول: إرهاصات التحول
تشمل التطورات والإصلاحات التي مهدت لتغيير وظائف الدولة وقدراتها خلال السنوات الماضية. وقد ظهرت هذه الإرهاصات في مجالات متعددة، منها تطوير الإدارة الحكومية، والتوسع في التعليم والتقنية، وتنمية القدرات الاقتصادية، وتعزيز الحضور السياسي والدبلوماسي للمملكة. ولا يلزم أن تكون هذه التطورات قد بدأت في وقت واحد، أو أنها كانت جميعًا جزءًا من برنامج واحد منذ نشأتها.
الثاني: تبلور التحول
يشمل المرحلة التي أصبحت فيها هذه التغيرات مترابطة، واتسع نطاقها ليشمل الإدارة والاقتصاد والمجتمع والدفاع والسياسة الخارجية. وقد شهدت السنوات الأخيرة تطورات بارزة في هذه المجالات، من بينها إنشاء مؤسسات جديدة، وتطوير أدوات قياس الأداء، وتوطين الصناعات الدفاعية، واتساع المبادرات السياسية والدبلوماسية، وبناء شراكات أمنية واستراتيجية جديدة. وتظهر لنا دراسة أحداث السنوات من 2023م إلى 2026م محطات اتساع التأثير الإقليمي والدولي للمملكة، دون أن يعني ذلك أن التحول بدأ في هذه السنوات وحدها.
ومن خلال قراءة التحولات في السعودية، فتحديد البداية التاريخية للمرحلة الرابعة لا ينبغي أن يكون قرارًا شكليًا مرتبطًا بتاريخ إعلان برنامج أو مشروع، وإنما نتيجة لدراسة التحولات التي أحدثت تغيّرًا حقيقيًا في نمط إدارة الدولة، وممكن قراءته في خطاب سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مجلس الشورى 2026م. ونوضح أن الدخول في المرحلة التاريخية الرابعة لا يعني اكتمال نتائجها؛ فالتحولات الكبرى تحتاج إلى زمن تتضح خلاله قدرتها على الاستمرار وإحداث أثر عميق في بنية الدولة ووظائفها وتأثيرها الإقليمي والدولي.
الخاتمة
مرت الدولة السعودية بثلاث مراحل تاريخية كبرى: التأسيس، واستعادة الدولة، واستئناف التاريخ وصولًا إلى اكتمال الوحدة السياسية. أما المرحلة التاريخية الرابعة، فهي مرحلة التحول؛ إذ لم يعد التحدي الرئيسي متعلقًا بتأسيس الكيان السياسي أو استعادة الحكم أو توحيد الأقاليم، وإنما بتطوير قدرة الدولة القائمة على إدارة مواردها ومؤسساتها ومجتمعها، وتعزيز فاعليتها وتأثيرها الإقليمي والدولي.
وقد أخذت ملامح هذه المرحلة تتشكل عبر تحولات متراكمة، ثم اتسعت خلال السنوات الأخيرة لتشمل الإدارة والاقتصاد والمجتمع والقدرات الدفاعية والسياسة الخارجية. ويظهر التأثير الإقليمي والدولي أحد أبرز ملامح هذا التحول، من خلال اتساع المبادرات السعودية، وتطور شراكاتها، وقدرتها على المشاركة في معالجة قضايا تتجاوز حدودها الوطنية. والتأثير الفعلي والمستدام هو أحد المعايير التي ستحدد مدى تحقق مرحلة التحول التاريخية، أي المرحلة الرابعة من تاريخ الدولة السعودية.
وإذا كانت المراحل السابقة قد أرست وجود الدولة ووحدتها، فإن المرحلة الرابعة تتعلق بإعادة تشكيل أدوات قوتها ووظائفها وتأثيرها. فالتحول التاريخي يُقاس بمقدار ما يتغيّر في طريقة إدارتها وقدرتها على الفعل والتأثير الدولي.
This post has already been read 250 times!

