من يتأمل الطبيعة يكتشف أن الاستقرار ليس حالة من السكون، بل هو نتيجة انسجام دقيق بين قوى مختلفة. فالليل يتعاقب مع النهار، والمد والجزر يتبادلان الأدوار، والفصول تتغير دون أن يطغى أحدها على الآخر. ولو اختل هذا النظام قليلًا، لتغيرت الحياة بأكملها.
والإنسان ليس استثناءً من هذه القاعدة.
فنحن نحمل داخلنا رغبات وطموحات، ومسؤوليات وعلاقات، وأحلاماً ومخاوف، وكلها تتحرك في وقت واحد. وعندما يطغى جانب على بقية الجوانب، تبدأ علامات الاختلال بالظهور، حتى وإن بدت الحياة من الخارج ناجحة ومكتملة.
لهذا لا تكمن قيمة التوازن في أنه يجعل الحياة أسهل، بل في أنه يجعل الإنسان أكثر قدرة على العيش بوعي. فهو يساعده على أن يعرف متى يتقدم، ومتى يتوقف، ومتى يتمسك، ومتى يترك، ومتى يمنح نفسه حق الراحة دون شعور بالذنب.
إن كثيراً من الأزمات التي يعيشها الإنسان لا تبدأ بسبب الأحداث نفسها، وإنما بسبب فقدان القدرة على تنظيم الاستجابة لها. فقد يتحمل الإنسان ضغوطاً كبيرة وهو ثابت، بينما ينهار آخر أمام موقف أقل شدة، لأن الاختلاف الحقيقي يكمن في مقدار الاتزان الداخلي الذي يمتلكه كل منهما.
والتوازن لا يحمي الإنسان من الألم، لكنه يمنعه من أن يتحول إلى أسير له. ولا يزيل الضغوط، لكنه يجعله أكثر مرونة في التعامل معها. ولا يمنع التقلبات، لكنه يمنحه القدرة على استعادة نفسه كلما ابتعد عنها.
ولعل أجمل ما يمنحه التوازن هو وضوح الرؤية. فالإنسان المنهك غالباً ما يرى المشكلات أكبر من حجمها، ويتخذ قراراته تحت ضغط الخوف أو الغضب أو التسرع. أما حين يستعيد اتزانه، فإنه ينظر إلى الموقف بعين أكثر هدوءاً، فيكتشف حلولاً لم يكن يراها من قبل.
إننا لا نبحث عن التوازن لأن الحياة ستكون دائماً هادئة، بل لأن الحياة بطبيعتها متغيرة. وكلما ازدادت سرعة العالم، أصبحت حاجتنا إلى الاتزان أكبر. فهو ليس محطة نصل إليها مرة واحدة، بل مهارة تتجدد مع كل مرحلة، وقرار نعيد اتخاذه كلما حاولت الظروف أن تسحبنا بعيداً عن أنفسنا.
وفي النهاية، يبقى التوازن أحد أهم مقومات جودة الحياة؛ لأنه لا يقاس بما نملكه، ولا بما ننجزه، بل بقدرتنا على أن نعيش حياتنا دون أن نفقد أنفسنا في أثناء الطريق.
د. نوره كريمي
مدرس مساعد مشارك في جامعة الكويت
This post has already been read 41 times!

