تأتي الذكرى الخامسة والستون للاعتراف الفرنسي باستقلال الكويت مقرونة بزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون، الأولى له منذ توليه الرئاسة، والأولى لرئيس فرنسي إلى البلاد منذ زيارة نيكولا ساركوزي في فبراير 2009.
وتأتي الزيارة تلبية لدعوة وجّهها سمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد خلال زيارته إلى باريس في يوليو 2025، في محطة تعكس تطور العلاقات من الصداقة الدبلوماسية إلى الشراكة الاستراتيجية.
جذور تاريخية وشراكة دبلوماسية
تمتد جذور التواصل بين الجانبين إلى قرون مضت، إذ وثّقت دراسات اهتمام الرحالة والجغرافيين الفرنسيين بالخليج منذ القرن السابع عشر، واتصالات بين الجانبين خلال الفترة 1866–1900، فيما تتحدث السفارة الفرنسية عن أكثر من قرنين من الصداقة.
أما العلاقات الرسمية، فبدأت باعتراف فرنسا باستقلال الكويت في 28 أغسطس 1961، ثم اعتماد سفيرها المقيم في بيروت لدى الكويت عام 1964، وصولًا إلى تعيين أول سفير فرنسي مقيم عام 1968. ومن هنا ترتبط الذكرى الخامسة والستون بالاعتراف الفرنسي بالاستقلال.

الغزو العراقي.. اختبار الصداقة
شكّل الغزو العراقي للكويت عام 1990 نقطة تحول في العلاقات، حين أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران أن سيادة الكويت غير قابلة للتفاوض، وشاركت فرنسا بنحو 18 ألف جندي في عمليات تحرير البلاد.
واستمر الموقف الفرنسي بعد التحرير، عبر المطالبة بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالحدود والتعويضات والمفقودين والأرشيف الكويتي، ما عزز مكانة فرنسا شريكًا استراتيجيًا موثوقًا لدى الكويت.

التعاون الدفاعي.. ركيزة أساسية
تُوّج التقارب السياسي باتفاقية دفاعية في أغسطس 1992، كانت الأولى من نوعها التي توقعها فرنسا في الخليج، وشملت التعاون في مواجهة الاعتداءات الخارجية والتدريبات المشتركة وتبادل الخبرات، قبل تجديدها عام 2009.
وتواصل تطوير التعاون باتفاق متعلق بوجود القوات الفرنسية في الكويت عام 2022، ومذكرة تفاهم بين الحرس الوطني الكويتي والدرك الفرنسي في يوليو 2025، إلى جانب الزيارات العسكرية والتنسيق المستمر بين الجيشين.
ويمثل التعاون الدفاعي ركيزة أساسية للعلاقة؛ إذ تستفيد الكويت من شراكتها مع قوة أوروبية دائمة العضوية في مجلس الأمن، بينما تعزز فرنسا حضورها الأمني والاستراتيجي في الخليج.

الاقتصاد.. من التعاون إلى الاستثمار
امتدت العلاقات الكويتية الفرنسية من السياسة والدفاع، إلى التجارة والاستثمار، خصوصًا في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والخدمات، مستندة إلى اتفاقيات للتعاون الضريبي وحماية الاستثمارات تعود إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
وشهد يوليو 2025 الإعلان عن شراكة استثمارية استراتيجية تربط أولويات «فرنسا 2030» و«رؤية الكويت 2035»، وتشمل الطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطيران والصحة.
وتسعى الكويت من خلال هذه الشراكة إلى تنويع اقتصادها والاستفادة من الخبرات الفرنسية، فيما تنظر باريس إلى الكويت بوصفها شريكًا اقتصاديًا واستثماريًا مهمًا في المنطقة.
من التاريخ إلى المستقبل
بعد 65 عامًا من الاعتراف الفرنسي باستقلال الكويت، تجاوزت العلاقات حدود الصداقة التقليدية إلى شراكة اختُبرت خلال الغزو العراقي، وترسخت عبر التعاون الدفاعي والمصالح الاقتصادية.
وإذا كان تحرير الكويت قد مثّل أبرز محطات هذه العلاقة، فإن التحديات الإقليمية الراهنة تضعها أمام اختبار جديد، عنوانه تحويل الثقة التاريخية إلى تعاون أوسع يعزز الأمن والاستقرار ويدعم المصالح الاستراتيجية للبلدين.
This post has already been read 69 times!

